
ارتباط السير والسلوك باللحظة المعاشة لا بطول العمر
تحدّث سماحة آية الله السيّد محمد محسن الطهراني قدس سره في هذه المحاضرة عن ارتباط تكامل الإنسان بمجيئه إلى هذه الدنيا، مشيراً إلى أنّ بعض الأشخاص قد يستمرّون في تكاملهم حتّى في عالم البرزخ. ثمّ نبّه على أنّ العبرة في السير والسلوك هي بالالتزام بالمباديء والمباني وليس بكثرة ملازمة الأولياء، ويظهر مقدار هذا الالتزام عند التعرّض للابتلاءات والمحن، حيث يستطيع السالكُ هناك أن يقيّم حركته ومدى توفيقه فيها. وتعرّض سماحته إلى مسألة حيويّة وهي أنّ السالك لا يهتمّ إلاّ باللحظة التي يعيشها من دون أن يُعير النظر إلى الماضي ولا المستقبل، ولهذا فإنّ السالك الحقيقي لا يصرف كلّ همّه في الحوادث الغيبيّة (نظير تعيين وقت ظهور صاحب العصر)؛ لأنّ لكلّ لحظة من حياة الإنسان تكليفها الخاصّ بها، والإنسان مطالب بأداء ما عليه في تلك اللحظة فقط، سواءً عمّر قليلاً أم كثيراً. وفي الأخير، أشار سماحته إلى ضرورة تعامل السالك مع الناس على أساس الرحمة والعفو لا الحقّ والعدل اقتداءً بهدى الخالق سبحانه وتعالى.
ارتباط السير والسلوك باللحظة المعاشة لا بطول العمر
4وفي نفس الوقت، يوجد أشخاص لازموا المرحوم العلاّمة لمدّة أربعين سنة ـ أو أكثرـ، أو لازموا غيره، وعندما ارتحلوا عن هذه الدنيا، قال عنهم بأنّهم لم يستفيدوا شيئاً..
انظروا! فالمسألة ليست خاضعة للقلّة والكثرة، بل المسألة ترتبط بما يجري هنا، وبالذي يحصل هنا! إذ لا ينفع هنا تكثير السواد، ولا فائدة من كثرة الذهاب والمجيء وسماع كلام العظماء.. فهذه ليست وحدها كافية في التحرّك، كما أنّ مجرّد الكلام معهم ليس هو العلّة التامّة للسير والتكامل والتطوّر، بل ما يفيد في المقام هو الاهتمام، أي بذل الهمّة والثبات في العمل.. فإلى أي حدّ نحن جادّون ومطيعون؟! وإلى أي حدّ لدينا إيمان بهذه المسألة؟ وإلى أي حدّ رتّبنا الأثر على المطالب التي ذُكرت لنا؟! هذه هي المسألة.. أمّا أن يأتي الإنسان ويذهب وأمثال ذلك، وينقضي عمرُه في هذه الأمور... فقد يبقى الإنسان لمدّة أربعين سنة مع العظماء والأولياء، وتبيضّ لحيته وينحني ظهره، وبعد ذلك وفي السنوات الأخيرة، عندما يبيّن المرحوم العلاّمة الحكم الشـرعي وفتواه في مسألة ترتبط بالإرث [وتكون على خلاف ما يرغب به]، يأتي ذلك الشخص إلى قمّ مع بعض أصدقائه، ويذهب إلى الحوزة وبيوت المراجع وبعض الأشخاص ليطّلع على رأيهم حول هذه المسألة.
انظروا، فهذا أيضاً يسمّي نفسه تلميذاً! لكن ما هي نتيجة ذلك؟ نتيجة ذلك أن يقال له: في أمان الله!
حسناً، هذه القضية ترجع إلى اعتقاد الإنسان بهذه المسألة واهتمامه بها. لهذا، لو أنّ ذلك الرجل ـ ذو النهاية السعيدة ـ قد بقي مع المرحوم العلاّمة أسبوعاً واحداً فقط بدلاً من أربعة أشهر، لكان قد حصل على نفس الشيء.. فأربعة أشهر هي مدّة طويلة!! وأسبوع واحد يكفي، بل تكفيه ساعة واحدة فقط. فكم ساعة بقي الحرّ مع الإمام الحسين عليه السلام؟! إذ أنّه لم يكن مع الإمام عليه السلام، بل الأكثر من ذلك أنّه وقف بوجهه، وجاء ليصدّه، وجميع الأحداث التي جرت في كربلاء كانت بسببه هو، فلو لم يأت الحرّ، لجرت المسألة بنحو آخر، ولما وقعت تلك الأحداث من الأساس.
