
ارتباط السير والسلوك باللحظة المعاشة لا بطول العمر
تحدّث سماحة آية الله السيّد محمد محسن الطهراني قدس سره في هذه المحاضرة عن ارتباط تكامل الإنسان بمجيئه إلى هذه الدنيا، مشيراً إلى أنّ بعض الأشخاص قد يستمرّون في تكاملهم حتّى في عالم البرزخ. ثمّ نبّه على أنّ العبرة في السير والسلوك هي بالالتزام بالمباديء والمباني وليس بكثرة ملازمة الأولياء، ويظهر مقدار هذا الالتزام عند التعرّض للابتلاءات والمحن، حيث يستطيع السالكُ هناك أن يقيّم حركته ومدى توفيقه فيها. وتعرّض سماحته إلى مسألة حيويّة وهي أنّ السالك لا يهتمّ إلاّ باللحظة التي يعيشها من دون أن يُعير النظر إلى الماضي ولا المستقبل، ولهذا فإنّ السالك الحقيقي لا يصرف كلّ همّه في الحوادث الغيبيّة (نظير تعيين وقت ظهور صاحب العصر)؛ لأنّ لكلّ لحظة من حياة الإنسان تكليفها الخاصّ بها، والإنسان مطالب بأداء ما عليه في تلك اللحظة فقط، سواءً عمّر قليلاً أم كثيراً. وفي الأخير، أشار سماحته إلى ضرورة تعامل السالك مع الناس على أساس الرحمة والعفو لا الحقّ والعدل اقتداءً بهدى الخالق سبحانه وتعالى.
ارتباط السير والسلوك باللحظة المعاشة لا بطول العمر
3نعم، هناك بعض الأشخاص يطوون الكمال بنحو آخر، إذ من الممكن ـ من باب المثال ـ أن يبقى بعضُهم في هذه الدنيا لمدّة خمس سنوات فقط، فسهم هذا الشخص من الدنيا كان بمقدار خمس سنوات، ثمّ يموت بعد ذلك وهو طفل صغير؛ فيكون طيُّه لبقيّة طريق تكامله في ذاك العالم هو بنفس الكيفيّة التي كان سيطوي فيها ذلك الطريق لو أنّه كان موجوداً في هذه الدنيا. فليست المسألة أنّه كلّ من ذهب إلى هناك صار من أولياء الله، لا! بل لو فرضنا أنّ هذا الطفل قد بقي في هذه الدنيا وعمّر فيها ستّين سنة أو خمسين سنة أو سبعين سنة، فإنّ حركته في ذلك العالم سوف تبتني على الكمالات التي كان سيصل إليها والملاكات التي سيحصل عليها والخصوصيّات التي سيكتسبها في هذه الدنيا، وسيصل هناك إلى النقطة التي كان ينبغي أن يصل إليها.
وقد سمعت الكثير من المطالب عن العظماء والأولياء حول هذه المسألة، وحول أنّه لا مجال هناك للاعتراض أبداً؛ بأنّه لماذا كان هذا أكثر من ذاك ولماذا هذا أقلّ...
العبرة بالثبات على المبادئ والالتزام بالمباني لا بكثرة ملازمة الوليّ والأستاذ
جاء أحد الأشخاص عند المرحوم العلاّمة، وقد كان رجلاً جيّداً في متوسّط العمر ولم يتعدّ الأربعين سنة بحسب ما أتذكّره، وقد بقي مع المرحوم العلاّمة لمدّة لا تتجاوز الأربعة أشهر، حيث دفعه المرض إلى المجيء إلى طهران.. والظاهر أنّه كان يُعاني من مرض في عينه، حيث كانت عينه مُصابة بتمزّق في الشبكيّة (دِكُلمان)۱. فبعد أن أتى إلى المستشفى، وأُجريت له عمليّة على عينه، توُفّي والتحق برحمة الله تعالى. فقد استيقظ صباحاً لأداء الصلاة، فشعر بألم، واستقلّ سيّارته للذهاب إلى المستشفى. وفجأةً وأثناء انتظاره قدوم الطبيب من أجل إجراء الفحوصات اللازمة، فإذا بروحه تعرج إلى رحمة الله في نفس ذلك الموضع. وقد تأثّر المرحوم العلاّمة بسبب ذلك كثيراً، وأرسلني للمشاركة في تشييعه ودفنه. وبعد أن عدت من الدفن، ذكر لي المرحوم العلاّمة عبارةً لن أنساها أبداً، حيث قال: «هنيئاً له! فقد أتى بسرعة وأحكم علاقته [بمدرسة السير والسلوك]، ثمّ ارتحل، وسوف يستمر في طيّ مسيره هناك». يعني أنّ الأمر قد تمّ بالنسبة إليه.. هنيئاً له إذن! فما الذي نريده نحن؟! هذا هو الذي نريده. لقد أتى بسرعة جدّاً، وأحكم علاقته [بمدرسة السير والسلوك]، ثمّ ارتحل، وسوف يستمرّ... فعندما يقول أنّه سيُكمل مسيرته هناك، فهذا يعني أنّه [أي المرحوم العلاّمة] يُراقبه من هنا، فيشدّ الحبل تارةً ويرخيه تارةً أخرى، ويعقد له دروساً، فلا يتركه أبداً! فلا تتخيّلوا أنّ المسألة تنتهي في هذه الدنيا، لا، بل في ذلك العالم أيضاً له عمل معه، إذ هناك أيضاً يوجد درس وبحث وأمثال ذلك.. وواقعاً هنيئاً له!
- مصطلح أصله فرنسي Decollement بمعنى الانتزاع أو التمزّق. المترجم
