
واقعة عاشوراء أرقى مدارس السير و السلوك
خصّص سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني هذه المحاضرة للحديث عن شهري محرّم و صفر، و كيفية إحياء هذه الأيّام المخصوصة و الاستفادة منها بأقصى درجة، فتعرّض سماحته للإجابة عن السؤال بأنّه ما المقصود من إحياء أمرهم عليهم السلام المطلوب؟ وبين كيف نجعل أنفسنا مصداقاً لدعاء الإمام عليه السلام: رحم الله من بكى أو تباكى أو أبكى، ثمّ ذكر مجموعة من توصيات الأولياء في هذه الأيّام.
واقعة عاشوراء أرقى مدارس السير و السلوك
6في مرّة من المرّات كنت جالساً في صحن السيدة المعصومة عليها السلام، ورأيت شخصاً قادماً ـ وكان من هؤلاء الدراويش وأمثالهم، وقد توفي الآن ـ وعندما وصل إلى وسط الصحن أتى شخصان من أتباعه وانكبّا عليه وقبّلا حذاءه، وبقيا على تلك الهيأة حدود عشرين أو ثلاثين ثانية، دون أن يتحرّك هو، بل كان ينظر إليهما.
ما هذه الألاعيب؟! ما هو جوابك أمام الله يوم القيامة عندما يسألك أنك لماذا تروّج هذه الأمور بين أتباعك؟! فإن لم تُقبَّل رجلك فما الذي ينقص منك؟ هل من الضروريّ أن يقبّل الأشخاص حذاءك حتى يُظهر أحدهم لك مراتب الخشوع والخضوع ويبيّن الاحترام والمحبة لجانبكم الكريم؟! فهل هذا الأمر يرفعك؟! كلاّ بل إنّه يضعك!! فهل تعلم ما هي المصائب التي تجلبها لنفسك بواسطة هذا العمل؟ وما هو الوزر والوبال الذي توجبه لنفسك؟ فأنت دون أن تشعر تقع في حبال وشراك إبليس التي نصبها ووضعها لي ولك!! بينما نرى ذلك العظيم كي لا يصل إلى هذه المواصل ـ وهذه أحد تلك الفوائد التي كان يراعيهاـ نجده يضرب الرجل بعصاه حتى لا يجرؤ أحد على اقتراف مثل هذه الأعمال ثانية، ويُري الآخرين بأنه ليس لديه أدنى تساهل في ممشاه والسير على مبانيه. ولقد كان حاله ينقلب ويتغيّر بسبب ذلك فعلاً.
يذكر أحد الأصدقاء ـ وهو لا يزال على قيد الحياة ـ بأنّه عندما كان المرحوم العلامة ماشياً في الشارع وشاهده رجل، انكبّ على قدميه وقبّلها، وفي ذلك الوقت لم يكن يحمل عصا حتى يضربه بها [ضحك].. يقول لقد شاهدت السيّد العلاّمة حينئذٍ قد تغير حاله واختفى اللون من وجهه!! هذه الأمور ليست مزاحاً، يعني أنه في أي أفق وفي أيّة وضعية كان بحيث أنه لم يكن يجيز لأحد أن يدفع به ليتخطى عن حالة العبودية وصفاء النفس ولو بمقدار ذرّة واحدة؟!
إحياء المجالس هو بالتدبّر و التأمّل في أحداث قضية كربلاء واستخلاص الدروس منها
هؤلاء الأعاظم و الأولياء كانوا أشدّ اهتماماً بإحياء مجالس أهل البيت من أي شخص آخر، وكانوا يحرصون على أن تكون هذه المجالس قريبة من تلك الأهداف المنظورة، فالمجلس الذي يُعقد لأجل سيّد الشهداء إن كان يُقتصر فيه على ذكر المصيبة واللطم على الرأس والصدر فقط، فلن يعود إحياء ولن يكون تذكيراً وتنبيهاً، بل مجلس سيد الشهداء إنّما يصير مجلس ذكر ومجلس تنبيه وتذكير عندما يتم الحديث عن الأمور التي كانت السبب وراء تلك القضايا والأحداث التي وقعت، لا الاقتصار على ذكر خصوص هذه الحادثة، فهذه الحادثة مثل ألف حادثة أخرى جرت في سالف الأزمان وانقضت، فأحداث كربلاء قد انقضت، ولدينا العديد من القضايا التي وقعت على امتداد التاريخ، ولا تزال تقع؛ و حتّى الآن أليس لدينا ظلم؟! أليس لدينا في العالم مصائب، وحكّام ديكتاتوريين، أليس لدينا في العالم أشخاص يحملون أوصاف السباع والحيوانات؟! نحن نرى كل هذه الأمور في الدنيا؛ نرى الظلم وهضم حق المظلوم، فمنذ أن خلق الله آدم إلى هذا الزمان كان هناك ظالم ومظلوم و سيبقى الأمر كذلك حتّى المستقبل، دائماً هناك ظالم ومظلوم، فكلّ شخص منا في سيره و حركته إمّا أن يكون ظالماً أو مظلوماً، فإن عمل بما أملاه الله تعالى عليه و بما تقتضيه الفطرة ويحكم به العقل فقد مشى على العدل، وإن لم يعمل فهو ظالم. إذ الظالم ليس مختصّاً بيوم عاشوراء فقط، بل كلّ منّا نحن الجالسون هنا عليه أن يجدد النظر في أعماله وتصرفاته، لئلاّ تكون الأعمال التي يقوم بها الآن محرّمة، فإن كانت محرّمة ومخالفة فليعلم أنّه مع ذاك المعسكر، وليس مع الإمام الحسين، ولينتبه أن لا يكون الكلام الذي يتحدث به مخالفاً، فإن كان مخالفاً فليعلم أنه في ذلك المعسكر، وإن كان صحيحاً فليعلم أنّ فيه أملاً.
