
واقعة عاشوراء أرقى مدارس السير و السلوك
خصّص سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني هذه المحاضرة للحديث عن شهري محرّم و صفر، و كيفية إحياء هذه الأيّام المخصوصة و الاستفادة منها بأقصى درجة، فتعرّض سماحته للإجابة عن السؤال بأنّه ما المقصود من إحياء أمرهم عليهم السلام المطلوب؟ وبين كيف نجعل أنفسنا مصداقاً لدعاء الإمام عليه السلام: رحم الله من بكى أو تباكى أو أبكى، ثمّ ذكر مجموعة من توصيات الأولياء في هذه الأيّام.
واقعة عاشوراء أرقى مدارس السير و السلوك
16فالإنسان أحياناً يلاحظ أنّ محبّته لأحد الأشخاص كبيرة، و يرى نفسه قريباً منه، و بعد مرور مدّة من الزمان يرى أنّ هذه المحبّة قد نقصت، فهو لا يتذكّره إلا كلّ فترة مديدة، و هو لا يخطر في باله تلقائياً، ثمّ بعد مدّة من الزمن يرى أنّه لم يعد يرغب بتذكّره أصلاً!! و بموازاة هذا العزوف عن هذا الشخص يرى أنّه بدأ يميل على أشخاصٍ آخرين. فلماذا يحصل هذا الأمر؟ هل فكّرتم في ذلك؟ يعني لماذا نقصت مكانة هذا، و في المقابل لماذا ارتفعت مكانة الأشخاص الآخرين، فهو يلاحظ تمايلاً في نفسه تجاههم، فيجد أنّه قد رفع سمّاعة الهاتف و اتّصل بهم، و يسأل عن حاله. فلماذا لم يكن هذا موجوداً في السابق فحصل الآن.
و عين هذه القضية حاصلٌ بالنسبة لواقعة كربلاء، يعني ينبغي أن ننظر إلى أيّ حدً نحن نتذكّر هؤلاء؟ إلى أيّ حدٍّ نتذكّر الحرّ؟ وإلى أيّ حدٍّ نتذكّر حضرة عليّ الأكبر؟ و إلى أيّ حدٍّ نتذكّر حضرة أبي الفضل العبّاس ؟؟ أوه .. أوه!! إنّ كل خطوة من خطواته تمثّل درساً لنا!! فهي واقعاً عجيبةً! و على الإنسان أن ينظر إلى كلمات هؤلاء و سيرتهم و يتفكّر فيها و يستخرج منها النكات المفيدة، و يستخرج النقاط المفصلية الحياتية. فلماذا كان حضرة أبي الفضل بهذا الشكل؟ ولمَ كان تصرّفه مع أخيه بذلك الأسلوب؟ ولأيّ سبب انتظر حتّى يستشهد إخوته الثلاثة قبله، فظلّ واقفاً يراقب ذلك؟ فما هي القضية؟ و لم كان مهتمّاً بذلك؟ و أيّ رحمةٍ تلك؟ و أيّ حرصٍ كان عنده؟ وما هذه المسؤولية التي كان يشعر بها؟! إنّها واقعاً عجيبة!! يعني كلّما كان واحد من إخوة أبي الفضل عليه السلام يستشهد فإنّه كان يأخذ نفساً من الراحة.. الحمد لله، فهو في طوال هذه المدّة في حالة اضطراب وقلق عليهم من أن يأتي الشيطان و يخدعهم فيحرفهم عن مرامهم!! فما هي هذه القضية؟ وعندما استشهد كلّ إخوته الثلاثة فإنّه يرتاح و يحمد الله أنّهم وصلوا !
إنّ هذه هي الأمور التي ينبغي التفكير و التأمّل فيها ، فهل تظنّون أن قضية عاشوراء قضيّة بسيطة ؟! إنّ قصّة عاشوراء تحمل في طيّاتها دورة سلوكيّة كاملة!! والإنسان لا يحتاج شيئاً غيرها أبداً، بل يكفي أن يطالع الإنسان برنامج الإمام الحسين عليه السلام و أصحابه و ما حصل معهم و كيفية تصرّفاتهم مطالعةً عميقة، و يتأمّل فيها تأملاً عميقاً.. أجل إنّ ذلك يكفيه و ليس بحاجة إلى أمرٍ آخر غيره!! و الآخرون الذين جاؤوا و أعطوا إنّما أخذوا من هذه السفرة و أعطوا للآخرين؛ فتلك العطوفة و الرحمة التي كنّا نراها في الأعاظم والأولياء إنّما حصلوا عليها من حضرة أبي الفضل عليه السلام، و ذلك الاهتمام الذي كنّا نراه فيهم بحيث أنّه كان يقول: (أنا لا أرضى لرفقائي أن يكونوا أقلّ من سلمان!!) من أين حصل عليه؟ لقد حصل عليه من هنا.. [من أبي الفضل عليه السلام]، فهو لم يأتِ به من عند نفسه.
