
العشرة الأولى من ذي الحجة تتمة أربعينية موسى عليه السلام
بمناسة حلول شهر ذي الحجّة الحرام تحدّث سماحة آية اللـه السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني حول أهميّة العشرة الأولى منه، والتي كانت تتمّة لأربعين النبي موسى عليه السلام، وبيّن بعض الحقائق التي تحصل للإنسان عبر تسخير القوى المادية فيه، ثم تناول أهمّ الأعمال التي كان يوصي بها الأولياء فيها من الصيام ودعاء عرفة والأذكار التوحيدية الموسويّة وصلاة عيد الأضحى. وقد تعرّض أثناء المحاضرة لبيان استحالة أن يكون إمامان اثنان معاً في مرتبة الإمامة والولاية لأنّ هذا المقام هو مقام العليّة لسائر الموجودات. كما شرح مبنى وحدة الوجود وبساطته من خلال الأذكار التوحيديّة الواردة في هذه العشرة، مستعيناً بشواهد ومشاهدات لبعض السالكين.
العشرة الأولى من ذي الحجة تتمة أربعينية موسى عليه السلام
3حسناً فأمير المؤمنين عليه السلام ردّ الشمس بأمر رسول اللـه صلوات اللـه عليه وآله، ولا إشكال في ذلك؛ إذ من الممكن أن يقوم بذلك من ليس إماماً، ولكن تكون له ولاية، ولاية تحت ظلّ وتحت سيطرة تلك الولاية الكليّة التي هي في نفس رسول اللـه صلّى اللـه عليه وآله، وقد قام بهذا العمل نفسه آصف بن برخيا وزير النبيّ سليمان عليه السلام، والحال أنّ آصف لم يكن متّصفاً بالولاية الكليّة، فولاية آصف هي ولاية جزئيّة، وبهذه الولاية الجزئيّة كان يقوم بتلك الأعمال، فماذا كان سيصنع لو بلغ الولاية الكليّة، فبولاية جزئيّة ومختصرة جُعِلَتْ تحت تصرّفه كان بإمكانه أن يقلب العالم كلّه رأساً على عقب، وبعد ذلك يأتي من يقول: أنّ الإمام لا يمكنه أن يصنع شيئاً، فكم نحن في منأى عن تلك المرتبة الرفيعة! وكم نحن في بعد عن الحقائق!
ففي ذلك الزمان كان أمير المؤمنين عليه السلام يعيش تلك الجذبات التي عاشها النبيّ موسى عليه السلام، إلا أنها كانت عنده بنحو أشدّ. وكذا قصّة ذلك الرجل الذي رأى أمير المؤمنين قد سقط، فظنّ أنّه فارق الحياة، فأسرع إلى بيت السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام وقال لها: لقد رأيت عليّاً فارق الحياة، فسألته عمّا جرى، فأخبرها بما رأى، فقالت له: هذا حاله في كلّ ليلة. فقد كانت حالة أمير المؤمنين في تلك المرحلة على هذا النحو وهذا الوضع، ولكنّها لم تعد ترَى منه بعد وصوله إلى مقام الولاية والإمامة الكليّة. وهذا الأمر نفسه منقول عن الأولياء وأهل المعرفة، فهذه المسائل موجودة عندهم ومنقولة عنهم وحتّى شوهدت فيهم وهم في مراتب التردّد بين عالمي الفناء والبقاء، ومراتب الالتفات والانجذاب والرجوع، وذلك قبل الوصول إلى مرحلة الملكة التامّة، وقبل حصول الفعليّة والاستقرار.
تحصيل الإنسان لبعض الحالات عبر تقوية القوى الروحية فيه
لقد حصل هذا للنبيّ موسى عليه السلام، واللـه تعالى في هذه المدّة أوجد له حالة الجذبة، وفي هذه المدّة كلّها فقدت النفس والجسم إحساس الجوع والعطش والنعاس، ولا غرابة في ذلك ولا إشكال فيه، فعندما يتمكّن الإنسان من التغلّب والسيطرة على قوانين المادّة بواسطة القوى الروحيّة، فإنّه يمكنه أن يجعل هذا البدن تحت تسخير النفس، ولا يحصل لديه أيّ تغيير وتحوّل. نعم هناك بعض الحالات الأخرى المشابهة لهذه الحالة تترك آثاراً على البدن، ولكنها مغايرة لها في الواقع. وفي هذه الحالة كان موسى عليه السلام كما تذكر الروايات لا ينام ولا يأكل ولا يشرب. وكم هو جميل أن يستريح الإنسان من تناول الطعام ومن النوم!! لعلّنا نصل يوماً إلى استبدال الطعام بقرص فنتفرّغ من الاشتغال بالطعام والشـراب!! [في سياق الملاطفة] فالطعام والشراب هما مجرّد مقدّمة ولا موضوعيّة لهما، حينها يصل الإنسان إلى مراتب من اللذائذ المعنويّة والروحيّة بحيث لا يمكن أصلاً... ينقل المرحوم العلاّمة أنّه كان يقضي بعض الليالي في كربلاء مع المرحوم السيّد الحدّاد بالحديث والكلام و... وأما ماذا كانا يتحدّثان فهذا ما لا قدرة لنا على تصوّره، ولا هم حدّثونا عنه، وكان يقول: كان الوقت يتأخّر بنا، وخصوصاً وأنّ زياراته ولقاءاته كانت في الشتاء للأسباب التي ذكرها في الروح المجرّد، وعندما كان ينقضي جزء من الليل وهما يتحدّثان ويتناولان أطراف الحديث حول المسائل والمطالب، بل كثيراً ما كان يحصل ذلك بدون كلام وبدون تلفّظ وبدون حديث، وهذا هو المهمّ جدّاً، وأنا كنت شاهداً في مورد واحد أو أكثر، حيث كانت تمرّ الساعات ولم يكن ليحصل أيّ كلام، مع كامل الالتفات والتوجّه، والحضور مائة بالمائة، وهذه أشياء لا نفهمها نحن، فقط نحن يمكننا أن نسأل اللـه أن يرزقنا إيّاها. كان المرحوم العلاّمة يقول: كنّا نجلس وكثيراً ما يحدث أن يمتدّ بنا المجلس والحديث، والحال أنّ زوجة المرحوم الحدّاد تكون قد أعدّت الطعام، واهتمّت به غاية الاهتمام، وبالتالي فهي ترغب بأن لا يبقى دون أن يتناوله أحد، حيث بذلت جهدها في إعداده، فكانت تأتي مراراً وتقول للسيّد الحدّاد كم أنتم تطيلون الحديث.. لقد كانت امرأة طاهرة ونقيّة لا تحمل حقداً ولا غشاً، وقد التقيت بها في زمان طفولتي، ومن شدّة صفائها وبساطتها تكاد تصل إلى حدّ الإسراف في ذلك، فكانت تكرّر الطلب من السيد هاشم لماذا لا زلتما تتحدّثان؟! ألا تبسطان المائدة! وهما لا يعتنيان بذلك لانشغالهما... واقعاً أيّ عوالم كانت لهؤلاء؟ وأين نحن منهم؟ فنحن منذ وقت العصر نبدأ بالتفكير بطعام العشاء، ومنذ الصباح نبدأ بالتفكير في الغداء وهكذا...!! فكانت تقول لهما لمَ لا تبسطان المائدة؟! لمَ لا تتناولان الطعام؟! وهما لا يلتفتان، حتّى كان ينفد صبر السيّد الحدّاد منها فيقول: سيد محمّد حسين! قم وابسط المائدة، فقد وقع في ذمّتنا عشاءٌ ولا بدّ أن نتناوله! فهم لا يدَعوننا وشأننا! فلنقم ونتناول منه ونسترح ونتفرّغ لعملنا. فهذه هي حالهم، وهكذا كانوا.. يقول قم لنتناول الطعام ونسترح ونتفرّغ لأعمالنا، فقد أعدّت المسكينة هذا الطعام، وهي لا تزال تدقّ الباب.. فلنتناوله! فهنيئاً لهم، هنيئاً لهم.. الإمام السجّاد عليه السلام في مناجاة المريدين أو المحبّين يبيّن أمراً عجيباً فيقول: «إلهي من ذا الذي ذاق حلاوة محبّتك فرام منك بدلاً؟ ومن ذا الذي أنس بقربك فابتغى عنك حولاً؟» ۱ إلهي من هذا الذي أذقته ذرّة من محبّتك ثمّ اختار غيرك، أو أراد أن يذهب إلى مكان آخر، أو يوجّه ذهنه إلى موضع آخر، فماذا كان هؤلاء؟! وأين كانوا؟! أصلاً لم يكونوا يريدون أن يتنازلوا عمّا هم فيه، ولا أن يوجّهوا ذهنهم إلى شيء آخر.
- الصحيفة السجّادية، المناجاة التاسعة، مناجاة المحبّين.
