
الصوم وأثره في تكامل الإنسان
هذه هي المحاضرة المائتين من سلسلة محاضرات شرح حديث عنوان البصري عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد تناول فيه سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره أشار فيها إلى أن الطعام مقدمة ووسيلة لا غاية مستقلة، وأن الصوم والجوع ضروري في تجرّد الإنسان، وتعرض إلى اهتمام النبي بفعل الخيرات عن روح السيدة خديجة، ثم أشار إلى ضرورة الإتيان بالأعمال الظاهرية للوصول إلى الكمال، مؤكداً على أن الصوم حركة تكاملية للإنسان، لافتاً إلى الخصوصية التي يتمتع بها شهر رمضان في الصوم على سائر الشهور، ثم ذكر وصايا العلامة الطهراني حول شهر رمضان، وضرورة الاهتمام بليلة القدر من أول شهر رمضان، والتسليم للمشيئة الإلهية سواء في الصوم أو الإفطار.
الصوم وأثره في تكامل الإنسان
الوصف:
هذه هي المحاضرة المائتين من سلسلة محاضرات شرح حديث عنوان البصري عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد تناول فيه سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره أشار فيها إلى أن الطعام مقدمة ووسيلة لا غاية مستقلة، وأن الصوم والجوع ضروري في تجرّد الإنسان، وتعرض إلى اهتمام النبي بفعل الخيرات عن روح السيدة خديجة، ثم أشار إلى ضرورة الإتيان بالأعمال الظاهرية للوصول إلى الكمال، مؤكداً على أن الصوم حركة تكاملية للإنسان، لافتاً إلى الخصوصية التي يتمتع بها شهر رمضان في الصوم على سائر الشهور، ثم ذكر وصايا العلامة الطهراني حول شهر رمضان، وضرورة الاهتمام بليلة القدر من أول شهر رمضان، والتسليم للمشيئة الإلهية سواء في الصوم أو الإفطار.
الصوم وأثره في تكامل الإنسان
11لو جاء شخص إلى منزلك وأحضر معه كأساً من السمّ، فهل ستتناوله، أم ترميه فوراً؟! طبعاً إنّك سترمي السمّ فوراً، بل إنّك ستغسل الكأس عدّة مرات لكي تتأكّد من زوال كلّ آثار السمّ. فلماذا تفعل ذلك؟ لأنّك تشعر بأنّ هذا السمّ يضرّك، وهذا الأمر يحصل حتّى لو أنّ هذا الشخص لم يكن يدري أنّ ما يحمله كان سمّاً! إنّ هذا النوع من المسائل مضرٌّ لنا، وهو يقضي على الحالات المعنوية في روح الإنسان!
لقد ذكرت للرفقاء مراراً بأنّ الكذب والنفاق فيه ضرر أهمّ وأخطر من ذلك الأثر الخارجي الناشئ عنه، وهو ذلك الأثر الذي يوجده في نفس المتكلّم أوّلاً! فهذا كيف يمكن علاجه! افرضوا أنّ شخصاً جاء وألقى كلاماً كاذباً أو تعامل بغش ورياء وأمثال ذلك، فهذه الأمور لها آثار خارجية، وتبعات سلبية خارجية، وهذه محفوظة في مكانها، ولكنّ قبل تلك التبعات والآثار الخارجيّة، ماذا ستفعل بذلك البلاء الذي نزل على النفس؟! إنّ أمثال هذه التصرّفات تغيّر الإنسان وتقلب أحواله، وبعد مدّة من الزمان تنظر إليه فتتعجّب من شكله، إنّك تشعر أنّ هذا الشخص لم يعد إنساناً، بل كأنّه صار حيواناً، فلماذا صار كذلك؟! لأنّه كذّب وكذّب حتّى صار حيواناً.. لقد صار تمثالاً للكذب، فإذا أردت أن ترى الكذب فانظر إليه.. انظر إلى جبهته فسترى مكتوباً عليها: الكذب!! النفاق!! الرياء!! الغش!! الحيوانية!! فما هي هذه الأمور؟! إنّها الأثر الذي أوجده في نفسه، فضلاً عن الآثار الخارجية لهذه الأعمال.
إن الدستور الذي يعطيه لنا الأولياء والأعاظم هو في المقام الأوّل من أجلنا نحن، لا من أجل الخارج والآخرين، فما علاقتنا نحن بالخارج؟! بل إنّ منفعته راجعة لنا نحن.
الاهتمام بليلة القدر من أول شهر رمضان
ولهذا السبب كانوا يوصون في شهر رمضان أنّ على الرفقاء أن ينتبهوا إلى أنّ تلك الآثار السلبية التي تصيب الإنسان بسبب الغفلة وترك المراقبة، فإنّ هذه الآثار السلبية تفقد الصوم أثره في نفس الإنسان، والحال أنّ هذا الشهر أيّ شهر هو؟! إنّه الشهر الذي يتمّ فيه كتابة تقدير الإنسان ومصيره.. في اليوم الأوّل: اقتربنا خطوة واحدة.. في اليوم الثاني: اقتربنا خطوتين.. في اليوم الثالث كذلك.. اليوم السابع.. اليوم العاشر.. اليوم الخامس عشر.. اليوم التاسع عشر.. اليوم الواحد والعشرين.. ثم نصل إلى ليلة الثالث والعشرين ، فيتمّ الأمر ويحسم! انتبهوا.. فالله جعل لنا اثنان وعشرين يوماً كمقدمة للتهيّؤ للوصول إلى ليلة القدر، حيث يتمّ فيها التقدير للسنة القادمة، وأمّا ليلتا القدر اللتان تسبقان ليلة الثالث والعشرين فيجب أن يقضيهما الإنسان في حالة من العبادة والتهجد، والتهيّؤ والإعداد من أجل الورود في مقام التقدير والمشيئة الإلهية، يقطعها الإنسان حتّى يصل إلى ليلة الثالث والعشرين. ولذا على الإخوة والرفقاء أن يعلموا أنّ التقدير الذي يكتب لهم في ليلة الثالث والعشرين يبدأ منذ اليوم الأول من شهر رمضان، ها قد أعلنت ذلك بوضوح! فلا تظنّوا أنّ بإمكان الإنسان أن يقضي عشرة أو عشرين يوماً من شهر رمضان كيفما اتّفق، وعندما تأتي ليلة الثالث والعشرين نبدأ بتلاوة القرآن وقراءة دعاء الجوشن وباقي الأدعية!! كلاّ فهذا لا فائدة فيه أصلاً، فلا تتعبوا أنفسكم بدون طائل! فدعاء الجوشن الذي نتذكّره فجأة في ليلة الثالث والعشرين، وتلك الصلاة التي نتذكرها فجأة في ليلة الثالث والعشرين لا فائدة فيها! ولكنّ دعاء الجوشن المفيد هو ذلك الدعاء الذي تمّ إعداد الأرضية له منذ اليوم الأوّل لشهر رمضان، حينئذٍ سيكون الدعاء مؤثراً في ليلة الثالث والعشرين، وليس الكلام عن خصوص دعاء الجوشن طبعاً، وإنما ذكرته من باب المثال فقط، بل المقصود هو التوجّه والتنبّه والتذكّر لمقام العبودية والمعبودية، فهذا الحال هو ما ينبغي إعداده منذ اليوم الأول لشهر رمضان المبارك. وبناء على ذلك فإنّ هذا التهيّؤ والاستعداد يزداد قليلاً قليلاً ... وقد أوضحت ذلك سابقاً في بعض المحاضرات، ولا أدري إن كان الإخوة قد سمعوها أم لا، وبيّنا هناك هذه المسألة: أنّه كيف تكون ليلة الثالث والعشرين هي ليلة القدر ومع ذلك نجد أن ليلة التاسع عشر وليلة الحادي والعشرين يطلق عليها أيضاً ليلة القدر، وهناك أوضحت للإخوة بأن مسألة ليلة القدر ليست أمراً يحصل في لحظة واحدة كالورقة التي تطبع بالطابعة؛ بأن يأتي جبرئيل عليه السلام من فوق ويأتي بصحيفة أعمال الإنسان ويضعها بين يدي صاحب الزمان عليه السلام، فيأخذها حضرته، ويمضي عليها بأنّ هذا الأمر سيحصل في الزمان الفلاني، وذاك الأمر سيقع بهذا الشكل لفلان... كلاّ، ليس الأمر كذلك، بل مسألة ليلة القدر عبارة عن حدث تكامليّ، وهذا الحدث التكاملي له بداية وخاتمة؛ أمّا بدايته فمن أوّل شهر رمضان، بل من قبل ذلك، فشهر رجب وشعبان لهما تأثير في هذا الموضوع أيضاً...
