
الصوم وأثره في تكامل الإنسان
هذه هي المحاضرة المائتين من سلسلة محاضرات شرح حديث عنوان البصري عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد تناول فيه سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره أشار فيها إلى أن الطعام مقدمة ووسيلة لا غاية مستقلة، وأن الصوم والجوع ضروري في تجرّد الإنسان، وتعرض إلى اهتمام النبي بفعل الخيرات عن روح السيدة خديجة، ثم أشار إلى ضرورة الإتيان بالأعمال الظاهرية للوصول إلى الكمال، مؤكداً على أن الصوم حركة تكاملية للإنسان، لافتاً إلى الخصوصية التي يتمتع بها شهر رمضان في الصوم على سائر الشهور، ثم ذكر وصايا العلامة الطهراني حول شهر رمضان، وضرورة الاهتمام بليلة القدر من أول شهر رمضان، والتسليم للمشيئة الإلهية سواء في الصوم أو الإفطار.
الصوم وأثره في تكامل الإنسان
5ضرورة الإتيان بالأعمال الظاهرية للوصول إلى الكمال
أفهل كان الرسول محتاجاً للقيام بمثل هذه الأعمال؟! فالذي يكون أصلاً للوجود كلّه، ورأساً للفيض، وواسطةً بين الله وعباده، أفلا يكون العالم بأجمعه بين يديه؟! والذي يكون وسيلة لنزول البركات والنعم والنفحات الإلهيّة على عالم الوجود برمّته ـ ومن جملته مولاتنا خديجة ـ لماذا يذبح الشاة إذن ويجعل ثوابها لها؟! إذ يكفيه أن يريد.
لا، ليس الأمر بهذا الشكل! ففي نظام العالم، ينبغي أن يُؤدّى هذا العمل في الخارج، سواءً الذي أراد أن يقوم به الرسول أم غيره، فكلاهما ينبغي عليه ذبح الشاة، وإذا أراد أن يصل إليها الثواب، عليه أن يُعطي الصدقة. أنا الآن رسول، وأستطيع أن أوصل إليها ضعف ثواب تلك الصدقة مائة مرّة من خلال إرادة واحدة فقط. لا، ليس الأمر بهذا الشكل! بل ينبغي على الرسول أيضاً أن يُعطي [الصدقة]، وأن يقرأ [القرآن]، وأن يُصلّي، وأن يقرأ الحمد وقل هو الله أحد عندما يقف على قبرها، ويقرأ الفاتحة. وأمّا أن يقول أنا رسول، وبإرادة واحدة فقط تصل إليها تلك النفحات...
لقد كان المرحوم العلاّمة يوصيني ـ وليحرص الرفقاء على القيام بذلك دائماً ـ في كلّ وقت تمرّ به بمستشفى، اقرأ فيه سورة الحمد من أجل شفاء المرضى، ومتى مررت بمقبرة، اقرأ سورتي الحمد وقل هو الله أحد من أجل الموتى المتواجدين هناك. فعندما تكون مسافراً أو مارّاً بالطريق، وتصل إلى قرية أو مدينة، وكانت هناك مقبرة في طرف من الأطراف، ينبغي عليك أن تقرأ سورتي الحمد وقل هو الله لأجلهم جميعاً. والظاهر أنّ العلاّمة الطباطبائي هو الذي ذكر له هذه المسألة نقلاً عن دستور المرحوم القاضي. لاحظوا كم كان هؤلاء العظماء يراعون المسائل الأخلاقيّة! فما دمت مررت من هنا، فلتقرأ قليلاً [من القرآن]، لكي يصلهم بعض الثواب، فلماذا تبخل، مادام الأمر لا يُكلّفك شيئاً! اقرأ قل هو الله أحد مرّة واحدة، واقرأ الحمد مرّة واحدة، ودع البركة والفيض تصلهم ولو بشيء قليل.
هل هذا واضح! فهذا العمل هو من الأعمال التي ينبغي القيام بها، وعلى الرسول أيضاً أن يقوم به، كما ينبغي على الرسول أن يصوم من أجل التقرّب أكثر والاستفاضة أكثر، عليه أن يصوم شهري رجب وشعبان، عليه أن يصوم على امتداد السنة، ولا يحقّ لنا أن نقول لماذا هو إذن رسول! نعم هو رسول، غير أنّ الصيام الذي يقوم به الرسول هو في مرتبة، وهو يتكفّل بإيصال الرسول إلى تلك المنازل والمقامات التي ينبغي عليه أن يصل إليها، وأمّا الصيام الذي نقوم به، فهو بالمقدار الذي يكون مفيداً بالنسبة إلينا، كلٌّ بحسبه، فكلّ واحد يُحصّل الفائدة بما يتناسب مع سعته الوجوديّة. ونفس الشيء ينطبق على الحاجة إلى الأكل في هذه الحياة الدنيا من أجل استمرار الحياة والبقاء فيها، فقد كان الرسول يحسّ بالجوع، والأئمّة يحسّون بالجوع أيضاً، شأنهم في ذلك شأن بقيّة الناس. أفهل النبي لي بحاجة إلى طعام لأنّه رسول؟! هذا خطأ! لقد كان مثل بقيّة الناس يمرض ويحتاج إلى الدواء، هل هذا واضح!
