
من هو وليّ اللـه الذي له الحجية الذاتية؟
بيّن سماحة آية اللـه السيد محمد محسن الطهراني قدس سره في هذه المحاضرة أنّ المقصود من "ولي اللـه" الذي له حجية ذاتية ليس كل من امتلك خوارق العادات، موضّحا المراد والمقصود من الولي الإلهي، ثمّ شرع سماحته في بيان بعض الإشكالات النقضية التي ترد على من يلتزم بوجوب عرض افعال أولياء اللـه على الأدلة الظاهرية نفيا و إثباتا كما ذكر الإجابة على بعض الإشكالات المطروحة على القول بالحجية و الجواب عليها، و ختم المحاضرة ببيان ما التصرف الصحيح الذي ينبغي للسالك أن يفعله عندما يشكّ في صحة فعل أولياء اللـه.
من هو وليّ اللـه الذي له الحجية الذاتية؟
21لا مانع من عرض فعل الإمام والولي على الكتاب بشرط أن نعرف على أيّ آية نعرضه
نعم، يبقى أنّه من اللازم أيضاً ـ كما ذكرت ذلك سابقاً ـ عرض فعل الإمام على الكتاب، غاية الأمر أنّه علينا أن نعرف أيّ آية يجب علينا عرض فعل الإمام عليها. فإذا كانت هي آية {وَ لا تُلْقُوا بِأَيْديكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة}۱، فقد تعرُض للإنسان حينئذٍ بعض الشبهات، لكنّنا سنذكر في الجلسة القادمة أنّه لا دلالة لهذه الآية على هذا الأمر بتاتاً، وأنّه مثلما ينبغي عرض فعل وليّ اللـه على الكتاب، من اللازم أيضاً عرض فعل الإمام على الكتاب، غاية الأمر علينا أن نرى على أيّة آية ينبغي عرضه، وما هو الفهم الذي يُمكن للإنسان استنباطه من الكتاب والسنّة فيما يخصّ فعل الإمام، لكي يتمكّن ـ من خلال هذا الفهم وهذه النظرة ـ من هضم هذه المطالب. وعليه، حينما قال الإمام الصادق عليه السلام لذلك الخراساني: ادخل إلى التنّور، فإنّه لا يستطيع أن يقول له بأنّنا عندنا آية قرآنيّة تقول: {وَ لا تُلْقُوا بِأَيْديكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة}؛ لأنّ الكلام الذي يصدر من فم الإمام الصادق لا يُعدّ أمراً بإهلاك النفس، بل هو أمر بالإحياء، وليس أمراً بالإماتة، ولكنّنا نحن الذين نتصوّره إماتةً. فلو أنّ ذلك الخراساني دخل إلى قعر التنّور، فإنّه كان سيُحيى، لكنّه الآن ميّت، على الرغم من أنّه يمـشي بين الأحياء! فذلك الشخص هو الآن ميّت، على الرغم من أنّه يتنفّس! وذلك الشخص هو الآن فاقد للروح، على الرغم من أنّه يرى بعينيه! {فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتي فِي الصُّدُور}٢. فالذي تلبّس الآن بالعمى الحقيقي، والموت الحقيقي، والفقدان الحقيقي للروح هو هذا الشخص، والإمام الصادق يُريد أن يُحييه، غاية الأمر أنّ هذا الإحياء لا يتحقّق من خلال الحلوى والأرزّ الزعفراني، بل يتحقّق عن طريق الدخول في التنّور!
أوامر الإمام و الولي أوامر إحياء و إن بدا للإنسان خلاف ذلك
لقد كان سيّد الشهداء يرغب في إحياء أصحابه، غاية الأمر أنّ هذا الإحياء لا يُمكن أن يتحقّق من خلال بساتين الكوفة الخضراء وأشجار الفواكه المزروعة فيها، بل يتحقّق عن طريق الوقوف في وجه سهام سنان وخولي؛ ولهذا سُمح للناس بالفرار في تلك الليلة حينما أغلقت الأبواب. فسيّد الشهداء لم يدعُ إلى إهلاك النفس، بل دعا إلى الإحياء والحياة الأبديّة والخالدة، لكنّنا لا نقبل بذلك، ونقول: لا، نحن نريد أن نظلّ ميّتين، نريد أن نبقى هكذا. حسناً، تُريد أن تبقى كذلك، فلتبق! فنحن لا علاقة لنا بك! فكم بقي من الناس [مع الإمام الحسين عليه السلام]؟ ثلاثون شخصاً. فثلاثون شخصاً فقط قالوا بأنّهم يرغبون في أن يُصبحوا أحياءً.. عابس اختار أن يُصبح حيّاً، وزهير قال بأنّه يُريد أن يُصبح حيّاً، ونفس الأمر بالنسبة لحبيب ومسلم بن عوسجة، وكذلك الحرّ الذي قال في آخر لحظة بأنّه يُريد أن يُصبح حيّاً. فهؤلاء هم الذين قالوا بأنّهم يريدون أن يُصبحوا أحياءً، وأمّا الباقي، فقالوا أنّهم يرغبون في أن يظلّوا ميّتين، وأن يبقوا هكذا من دون روح. فقال لهم عليهم السلام: هل تُريدون أن تبقوا كذلك، تفضّلوا إذن، فأطفأ المصباح.. "هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً"، قوموا وارحلوا، فأنتم أموات وعليكم أن تُغادروا خيمة الأحياء. وعليه، فلا علاقة للآية التي تقول {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} بالإمام الحسين، ولا علاقة لها بالإمام الصادق، بل هي ترتبط بالإهلاك الظاهري ومسائل من هذا القبيل. فحينما تأتي إلى خيمة الإمام الحسين، فلا مجال هناك للإهلاك، بل هناك يوجد الإحياء، وحينما تأتي إلى منزل الإمام الصادق، فلا مجال أيضاً هناك للإهلاك، بل يوجد هناك الإحياء. وحينما تقع في حضن الخضر، فلا مجال أيضاً هناك للإهلاك، بل يوجد هناك الإحياء. وعليه، فإنّ الخضر قد أحيى ذلك الغلام، ولم يُهلكه، كما أنّ حضرة إبراهيم قام بإحياء إسماعيل، وأحيى نفسه أيضاً.. {وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً}٣، الآن فقط أصبحت حيّاً، وأمّا في السابق، فكنت لا تزال مفتقراً إلى بذل الجهد. {فَأَتَمَّهُنَّ} لقد أنهى امتحاناته، وحينما أنهى امتحاناته، ووصل الدور إلى آخر امتحان، أي قطع التعلّق عن البقايا الوجوديّة؛ لأنّ وجود الابن هو وجود باقٍ.. فعندما يُضحّي الإنسان بولده فإنّه في الحقيقة يُضحّي بوجوده هو، وقد كانت مسألة حضرة إسماعيل بمثابة الامتحان الأخير..{فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً}. وعليه، فلا حضرة إبراهيم أُمر هنا من قبل اللـه تعالى بالإهلاك، ولا كان ذلك الأمر هو أمراً بالإهلاك كما تصوّر ذلك نبيّ اللـه إسماعيل، بل كان ذلك الأمر هو أمراً بالإحياء من قبل اللـه تعالى، وفي نفس الوقت، فقد كان أمراً منه لحضرة إسماعيل أيضاً بالإحياء. لاحظوا معي، فقد انقلبت الصورة!
- جزء من الآية ۱٩٥ من سورة البقرة.
- ذيل الآية ٤٦ من سورة الحج.
- الآية ۱٢٤ من سورة البقرة.
