
من هو وليّ اللـه الذي له الحجية الذاتية؟
بيّن سماحة آية اللـه السيد محمد محسن الطهراني قدس سره في هذه المحاضرة أنّ المقصود من "ولي اللـه" الذي له حجية ذاتية ليس كل من امتلك خوارق العادات، موضّحا المراد والمقصود من الولي الإلهي، ثمّ شرع سماحته في بيان بعض الإشكالات النقضية التي ترد على من يلتزم بوجوب عرض افعال أولياء اللـه على الأدلة الظاهرية نفيا و إثباتا كما ذكر الإجابة على بعض الإشكالات المطروحة على القول بالحجية و الجواب عليها، و ختم المحاضرة ببيان ما التصرف الصحيح الذي ينبغي للسالك أن يفعله عندما يشكّ في صحة فعل أولياء اللـه.
من هو وليّ اللـه الذي له الحجية الذاتية؟
11إنّ النبي إبراهيم لم يعترض على اللـه تعالى ويقلْ: إنّ قتل النفس المؤمنة حرام! وأين يوجد في الوحي الذي أوحيتَه إليّ حتّى الآن بأنّ قتل النفس أمر جائز؟! والآن عندما وصل الأمر إليّ أرى أنّك تأمرني بقتل ولدي إسماعيل الذي لا مثيل لشعرة من شعراته في العالم أجمع؟! كلاّ.. لم يقل ذلك ولم يعترض بل أقدم على هذا الفعل مع علمه بأنّ هذا السكّين حادّ وقاطع. هل كان إبراهيم عليه السلام يحتمل أنّ الأمر بخلاف ذلك وأنّ السكين لن يقطع؟ كلاّ ، فمن المسلّم به أنّه كان عالماً قطعاً بأنّ هذا السكّين سيذبح ولده ويمزّقه ويقتله، لكن لماذا قبل بهذا الأمر؟ لقد ذكرنا فيما سبق بأنّه كما أنّ حرمة قتل النفس قد شرّعت من قبل الباري تعالى، فكذلك الأمر بقتل النفس نشأ من ذلك المبدأ بعينه، فهنا لا مخالفة.
لابدّ أن يكون الإنسان على يقين بتوجّه التكليف الخاص إليه قبل تنفيذه
نعم، لا بد أن يكون قاطعاً بتوجّه الأمر إليه لا محتملاً له؛ حيث ورد لدينا في الروايات بأنّ النبي إبراهيم عليه السلام كان شاكّاً في هذا الأمر في البداية، ثم رأى في الليلة الثانية نفس الرؤيا، وهكذا في الليلة الثالثة حتى وصل إلى يقين بأن هذا الأمر هو من اللـه قطعاً، إذ لا يتصوّر بأنّ الذي يأمر النبي بهذا الأمر هو الشيطان! فعندما وصل الأمر إلى مرحلة القطع، علم أنّه تكليف من قبل اللـه! وهنا قام إبراهيم بحساب الأمر وقال في نفسه: إنّ الوحي الذي كان يأتيه من قبل اللـه تعالى: بما أنّه أتاه من ناحية اللـه ومن الناحية الربوبيّة فهو كان حجّة، وهذا الوحي الآتي من قبل اللـه تعالى قد يتبدّل إلى أمرٍ مخالفٍ ولكنّه نابع من نفس المصدر الربوبي، وعندئذٍ يكون حجّة أيضاً، وعندما يصير حجّة، يأتي ويحلّ محلّ الأمر الأوّل؛ فحتّى الآن كنتُ أقول لك : إنّ قتل النفس حرامٌ! أمّا الآن فأقول لك: إنّ قتل النفس المحترمة وذبح ولدك إسماعيل أمر واجب!! لا أنّ الحرمة ترتفع فقط، بل حتّى الكراهة والاستحباب يرتفع ويحلّ محلّه الوجوب! وهو ما يقابل الأمر الأوّل بمائة وثمانين درجة. فلماذا لم يعترض النبي إبراهيم على اللـه تعالى بشيء؟ لأنّه يعلم بأنّ ما يأتي من قبل اللـه هو الحقّ، وإذا كان حقّاً، فليس لدينا تعدّد في الحقّ، فالحقّ في الأمس كان هذا، واليوم ذلك، وهذا الأمر ليس بيدي ولا بيدك ولا علاقة لنا به، فبالأمس كان اللـه تعالى يقول: إنّ قتل إسماعيل حرام ويسبّب دخول جهنّم؛ {فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فيها}۱، ألم يرد في القرآن بأنّ قتل الإنسان يوجب الخلود في جهنّم؟ هذا العمل الذي يوجب الخلود في جهنّم، يتبدّل إلى أن يصير سبباً للخلود في الجنّة! فاليوم نقول لك: إذا كنت تريد الخلود في الجنّة، فيجب عليك أن تتخلّى عن ولدك! وقد ذكرتُ لكم بأنّ هذه المسألة قد تحصل معنا جميعاً.. لا بخصوص مسألة ذبح ابننا، بل قد تحصل بشكل آخر في حياتنا.. كلٌّ بحسب وضعه وخصوصيّاته.
- إشارة إلى قوله تعالى: {وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظيماً}.
