
ما هي الوظيفة عندما يبدو أمر النبيّ مخالفاً للمصلحة؟
يتابع سماحة آية اللـه السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني في هذه المحاضرة معالجته لموضوع حجيّة أقوال وليّ اللـه وأفعاله، منطلقاً مما تقدّم فيما سبقها من محاضرات من انقسام الأحكام الشرعيّة إلى عامّة وخاصّة، ملفتاً إلى قيمة العلوم الإلهيّة والفلسفة في فهم هذه الأحكام الخاصّة، إلى جانب دور هذه العلوم في فهم المعاني الرفيعة التي وردت في الروايات الشريفة. وقد خصّصت هذه المحاضرة بشكل أساسيّ لمعالجة السؤال التالي: كيف نجمع بين حتميّة انطباق أوامر الوليّ على المصالح الواقعيّة واستحالة أن يأمر بخلاف المصلحة مما يقتضي ضرورة التسليم لأمره من جهة، وبين ما يظهر من أفعال الأولياء وأوامرهم من الخلوّ عن المصلحة كتكليف من لا خبرة له مع وجود الخبير، كما حدث في قضيّة جيش أسامة؟ وهل أنّ ذلك يقتضي من المأمور الاعتراض والتملّص، وحمل الأمر على غير ظاهره أم يقتضي التسليم كغيره من الأوامر؟ وعالج سماحته ذلك بأنّ الوليّ حينما يأمر أمراً كهذا فإنّه إمّا أن يبدّل حال عديم الخبرة هذا ليصبح رجلاً آخر يفعل أفعال الوليّ الآمر ويفكّر بعقله، أو أنّ المصلحة الواقعيّة تكون في تصدّي مثله رغم ما سينتج من خسائر ظاهريّة، إذ ليست المصلحة دائماً موافقة للميول والرغبات، مستشهداً على ذلك بمواقف من سيرة أهل البيت عليهم السلام في وقعتي صفّين وكربلاء. كما بيّن سماحته أنّ القاعدة والأصل في الأوامر الصادرة عن الأولياء هو أن تكون جديّة لا امتحانيّة شكليّة، خاتماً المحاضرة باستكمال عرض بعض النماذج مما وردت فيه أوامر إلهيّة خاصّة مخالفة لأوامر إلهيّة أخرى عامّة، سواء كان الأمر الثاني بغير واسطة كما في قصّة ذبح إسماعيل، أو بواسطة الوليّ كما في قصّة الخضر عليه السلام وذبح الغلام، وكذلك قضية الإمام الصادق عليه السلام والأمر بدخول التنّور، وتعطيل أمير المؤمنين عليه السلام لبعض الحدود، وتبديل صاحب الزمان عليه السلام لحكم الإرث بالنسب عند ظهوره. مؤكّداً على أنّ تعميم هذه الموارد ليس بيد أيّ إنسان وإنما هو خاص بأهله.
ما هي الوظيفة عندما يبدو أمر النبيّ مخالفاً للمصلحة؟
18نماذج من مخالفة ظاهر الشرع: تعطيل بعض الحدود، قصّتا إبراهيم والخضر عليهما السلام، الإرث على أساس الأخوة في الدين
ومن جملة الموارد التي نشاهد الأئمة عملوا فيها على خلاف الحكم الشرعيّ الضروري مسألة الحدّ، فهناك الكثير من المواقف التي وقعت بحيث يترتّب الحدّ على فرد معيّن ومع ذلك نجد الإمام قد عفا عنه، فمثلاً لو ارتكب شخص معصية معيّنة من المعاصي التي حدّها الرمي من شاهق أو الإحراق أو قطع الرقبة لشدّة قبح ذلك العمل، فلدينا في أقضية أمير المؤمنين المسلّمة أنّ شاباً قد جاء وقال له ارتكبتُ معصية فطهّرني يا علي قبل أن تحرقني النار يوم القيامة، فقال له الإمام: لا بأس فهذا الحكم من اللـه ولا بدّ أن ينفّذ، فاستجاز الرجل أن يصلّي ركعتين وورد النار بنفسه، وقد ذكِر ذلك في الكتب، كتب أقضية وأحكام أمير المؤمنين، وما إن ورد النار حتّى ضجّ الناس وتغيّرت الأحوال، فأخرجه الإمام وقال له: إنّ حالتك وبكاءك أبكيا ملائكة السماء، فاخرج فقد عفا اللـه عنك. فلماذا؟ لماذا كان ينبغي أن لا يطبّق الحكم الشرعيّ هنا؟ فالحكم الشرعيّ هنا يقضي باحتراقه، فلا بدّ أن يحترق، فلماذا سائر الأفراد يحرقون إذا عصوا أو تقطع رقابهم؟ لماذا صنع أمير المؤمنين ذلك؟ فمن المعلوم أنّ الحكم هنا مخالف للشرع، ونحن نجد الكثير من الموارد والأحكام، وهذا أحد أهمّ العلل التي تدفعني إلى كثرة التأكيد على ضرورة أن يكون الفقيه مطّلعاً على حقائق رموز الأحكام، وماذا يقول في كلّ موضع موضع؟ وفي جوّ آخر بأيّ كلام يتكلّم؟ ومع كلّ فرد من الأفراد ينبغي أن يتعامل بنحو خاص، كلّ ذلك من أجل هذه المسألة، فالحكم ليس للجميع.
تأتي امرأة وتقول لأمير المؤمنين يا عليّ طهّرني، فيقول الإمام ماذا صنعت؟ تقول: عصيت، يقول: قومي وامضي فما هذا الكلام، فأنت مشتبهة فلعلّك أكثرت من الطعام ليلة أمس حتّى أصبحت تهجرين، فتقول: لا لا أنا أقول الحق، فيقول لها اخرجي من هنا. لماذا يصنع أمير المؤمنين ذلك؟ هذا سببه أنّ الأحكام لا ينبغي أن تجرى على الجميع كما هي وعلى ظاهرها، فلكلّ حالة حكمها، فبعضهم يقوم الإمام بإلقاء القبض عليه وإقامة الحدّ عليه، في حين أنّ هذه المرأة التي جاءت على تلك الحال أو ذاك الشاب لهما حكم آخر، فكلّ حالة من الحالات تختلف عن الأخرى، ولا يمكن إجراء الحكم على عمومه.
