
ماذا نطلب في ليلة الرغائب؟ وشروط الاستفادة من شهر رجب؟
وهي المحاضرة رقم 190 من سلسلة محاضرات شرح حديث عنوان البصري، ألقاها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره ليلة الليلة السابعة من شهر رجب لعام 1432 هـ، و هي المصادفة لليلة الرغائب في ذلك العام. و قد تعرّض سماحته إلى ثلاثة أمور أساسية في هذه المحاضرة: 1 كيف نستفيد من ليلة الرغائب و ماذا نطلب من الله تعالى فيها؟ 2 كيفية تحديد ليلة الرغائب عندما تكون هي الليلة الأولى من الشهر؟ 3 شروط الاستفادة من شهر رجب و الأشهر الثلاثة المباركة، و أهم ما فيها تصحيح الخيال و طرد الأوهام. تجدر الإشارة إلى أنّ محاضرات شرح حديث عنوان البصري من رقم 191 إلى 198 لن تنشر ضمن هذه السلسلة، لأنها كانت مخصصّة لبحث حجّية أوامر اولياء الله و أفعالهم التي نشرت كسلسلة مستقلة
ماذا نطلب في ليلة الرغائب؟ وشروط الاستفادة من شهر رجب؟
3هذه عزّة النفس ومناعة الطبع تعدّ من المسائل الهامّة التي لها تبعات وآثار عجيبة، ليس في المسائل الاجتماعيّة فحسب، بل في نفس الإنسان. فهؤلاء الذين لديهم مثل هذه الحالة من السؤال والشكوى لا يتطوّرون أبداً ولا يرتقون، بل يبقون في هذه الحالة وعند هذا الحدّ.. لا تنتقل أنفسهم، ولا تتجاوز المشكلات؛ لأنها متى ما ابتليت بمشكلة تعرضها مباشرة وتشكو منها.. آخ رأسي يؤلمني.. رجلي توجعني... فالأيام لا يمكن أن تمرّ من دون مشاكل، ولا يوجد أحدٌ مستثنى من هذه المشكلات، إذ لكلّ شخص ملفّه الخاصّ به في ذلك. حسناً، إذا أراد الإنسان أن يصبر على هذه المسائل ويكتمها دون أن يتحدّث بها ويفشيها، فإنّ هذا الصبر والتحمل والكتمان ينقله من هذه المرتبة إلى مرتبةٍ أخرى، ويخطو من هذه المرحلة إلى مرحلة أعلى.
"وأكرم نفسك عن كل دنية" تعني هذا الكلام؛ تعني أن يكون الإنسان عزيزاً كريماً مكرماً نفسك التي منحك الله إياها عن كل عمل دني وسخيف وبدون محتوى ودنيوي.. عن كل تعظيمٍ وتجليل.. عن كل تملّق وتذلـّل.. عن كلّ تواضع في غير محله.. عن كلّ مدح وثناء لا طائل منه.. عزّز نفسك وأكرمها، وارفع شأنها. حتى لو كان هذا المدح والثناء والتواضع والتملّق سيسوقك نحو "الرغائب".. لا إلى الهدية والتحفة التي يرسلها إليك المسؤول عليك ومديرك أو الوزير الفلاني، فإن هذه من المسائل التي تأتي وتذهب؛ مثل الماء الجاري الذي يدخل من جهة ويخرج من جهة أخرى. بل حتّى لو كانت عبارة عن الهدايا غير المتوقعة لك، كأن تأتيك هديّة كبيرة جداً وعظيمة لا يمكن تصّورها، بأن تمنح مكانة وموقعيّة لا يمكن تصوّرها..
إذاً عليك أن تعزّز نفسك ولا تجعلها تسعى وراء هذه الأعمال الدنيّة والبسيطة، ولا تبِعْها بهذا المتاع البسيط؛ المتاع الدنيوي والأعمال اليومية في هذه الدنيا. لماذا الاحترام الزائد والتبجيل؟ ولمن التواضع والخضوع؟ ولأيّ شيء التملّق؟ فأنت الذي لا تعلم شيئاً عن مستقبلك، ولا تعرف متى يأتيك عزرائيل.. لماذا تتملّق وتتواضع؟ لأجل أن يزيد عطاؤك ألفين آخرين؟ تعساً لك، وتباً لك عندما تأتي وتستبدل تلك الهدية الإلهية التي منحك إياها، وألبسك خلعةَ "خليفةِ الله".. حيث جعلك خليفة له.. إذ يمكنك بإشارة منك أن تشقّ القمر نصفين، ومع ذلك تتملّق للآخرين؟ لماذا تفعل ذلك يا تعيس الحظ؟ يمكنك أن تشير إلى الشمس فتوقفها.. ألم يوقِف آصف بن برخيا الشمس، وكان بشراً كسائر البشر؟ فوزير النبي سليمان كان إنساناً عادياً كسائر البشر الآخرين، كان عبداً صالحاً لله، لكن صارت نفسه قاهرة ومسيطرة على مثال الموجودات نتيجة الطاعة، وصار مثال الموجودات وملكوتها تحت تصرّفه، فأعاد الشمس عندما أخبره سليمان بأنّه لم يصلِّ بعد، لانشغاله بمشاهدة الجيش. فقال له آصف اصبر قليلاً، فأعاد الشمس فصلّى النبي سليمان صلاة العصر.
