
الصورة الملكوتية لفعل الإنسان
وهي محاضرة من سلسلة محاضرات شرح حديث عنوان البصري التي ألقاها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني حفظه الهي، وقد تعرض فيها إلى انعكاس الصورة الملكوتية للفعل الحرام على نفس الإنسان، وحكاية عين الإنسان ووجهه عن حقيقة نفسه، مؤكداً على ضرورة المحافظة على الاحترام في التعامل مع الأخ المؤمن، وأن الصورة المثالية للإنسان تتبدل بسبب ما يقوم به، مشيراً إلى أن حقيقة الإنسان بصورته الملكوتية لا بظاهره، وأن الإمام هو الذي يبين للإنسان باطنه، ويختم بالقول بأن المعايير الملكوتية تختلف عن معاييرنا الظاهرية ...
الصورة الملكوتية لفعل الإنسان
12الإمام يبين للإنسان باطنه
هذه الأمور لا تحصل بهذا الكلام، ولا بأن الشخص عندما يكون بزي الصلاح وأهل العلم، فهو كذلك، كلا أبداً! فالكاميرات التي تصورنا وتسجل ما نقوله هذه تبين ظاهر المسألة، فلو أمكن أن يكون هناك كاميرا تبين باطن الإنسان للناس.. لكن حتى الآن لم يصل التطور والتكنولوجيا إلى هذا الحد، وهذه التي نراها الآن تغرّ جداً؛ حيث إنها تصور الإنسان بشكل جميل ومعدّل ومستوٍ، وتصور كلامه الجميل وخطابه العذب.. ما شاء الله.. كم هو هذا الرجل جيد.. النور يتصاعد منه إلى الأعلى، يا أخي هذا النور ليس نور العلم، بل هو نور النار التي يشتعل بها، لكنك لا تراها، فإذا افترضنا وجود كاميرا تأخذ تلك الصور عنا، هل تدرون ما هي تلك الكاميرا؟ هي ذانك الملكين الموجودين ها هنا، تلك التكنولوجيا لم تحصل بعد، ما هو متاح لهذين الملكين لم تصل له التكنولوجيا بعد، فإذا فرضنا أن عرضنا ما يثبته هذان الملكان على الناس، عندها نرى أن هذا الكلام الذي كان في مصلحته هنا تكلم به، وذاك الكلام الذي لم يكن في نفعه لم يتكلم به، هنا حصل كذا وهناك كذا.. وهذا فيلم عنه.. عند ذلك ما الذي سيحصل؟ ماذا سيحصل عند ذلك؟ عمر بن سعد قبل مجيئه إلى كربلاء لم يكن أحد يعلم أنه كذلك، بل كان الناس يصلون خلفه، لكنه عندما أتى إلى كربلاء بيّن الإمام الحسين عليه السلام حقيقته وكشف عن تلك الكاميرا، وبدأ بتصوير ذاك الباطن الذي كان لديه وأبرزه يوم عاشوراء، وأعلن أنه باطن هذا الرجل هو ما ترون.. هذا الذي تصلون خلفه يقتلني، أنظروا.. لم يقتلني فقط بل يقتل أخي ويقتل طفلاً في السنة العاشرة، بل يقتل طفلي الرضيع.. بالنسبة إلينا نحن الرجال يمكننا أن نقاتل فنقتل ونُقتل، لكن هذا الطفل الرضيع ما ذنبه؟ لكن تلك الكاميرا تصور هذه الأمور جيداً.. فهو يمضي ويمضي إلى أن يصل إلى قتل طفل رضيع، ويقتله وكأنه يشرب الماء، ويأمر حرملة برميه وقطع الفتنة، فالحسين يريد أن يوقع الفتنة بحمله الرضيع، ماذا فعل الإمام الحسين؟ قام بتصوير المشاهد كلها، فمن كان مجهولاً لدى سائر الناس صار في يوم عاشوراء معروفاً؛ لقد انكشف حال الشمر، وحال سنان.. وكذا انكشف حال الحر بن يزيد الرياحي، هذا كان ظاهره الانحراف، أما باطنه فكان شيئاً آخر. انكشف الأشخاص الموجودون في هذه الجهة وفي هذه الجهة. زهير بن القين البجلي كان ظاهره عثماني المذهب، لكن باطنه كان جيداً، فأتت كاميرا الإمام الحسين وصوّره وأظهر باطنه، وقال باطنك يفرق عن باطن الآخرين، بعد ذلك أتى وصار حسينياً، هذا الرجل الذي كان يفرّ من اللقاء بالإمام الحسين قال يوم عاشوراء: لو قتلنا سبعين ألف مرة وحرّقنا لما تركنا الحسين، إلى أين أذهب؟ يأتي هذا الباطن ويظهر أمام الملأ، فعمل الإمام الحسين عليه السلام هو المحك، وهو الذي يظهر الذهب من غيره، ويبيّن الخالص من غير الخالص، فنفس الإنسان الذي لم تكن واضحة ـ حتى لنفس الشخص ـ يأتي الإمام ويبيّنها له، ويقول أنت لديك هكذا نفس، فأين تذهب؟ وبماذا تؤنس نفسك؟ لا خبر لديك عن نفسك، فأنت بمثابة الكيمياء، يمكنك أن تبدل النحاس إلى ذهب، لكن لا خبر لديك عن ذلك، تعال إلى هنا، ثم يأتي ويبين له الإمام الفلم الذي أخذه عنه، فيقول عجباً! هكذا إذاً أنا، فكيف التحقت بجيش عمر بن سعد؟ في يوم عاشوراء بيّن الإمام للحر الفلم الذي أخذه عن باطنه، وقال له هذا أنت، فإلى أين تذهب؟ وانقدح في نفسه ذلك، وقال عجباً إلى أين أنا ذاهب؟ لقد سددت الطريق أمام الحسين وقمت بهذا العمل وذاك العمل، بينما عمر بن سعد يقول لا! بل سنضرب ونقف حتى النهاية، وكان جاداً في ذلك، الإمام كان في الطرف المقابل للحر، لكن مع ذلك فقد حرك في نفسه الصحوة، وشغل الكاميرا وبدأت بأخذ الفلم، وبيّنت له حالته الباطنية، فهذا الرجل لم يعص ولم يرتكب ذنباً.. وهكذا عملت الكاميرا على بيان حقيقة الأمر، فكشفت له عن حقيقة ذهنه ونفسه وقلبه وذاته.. الإمام هو الذي يقوم بهذا العمل عن بعد، فالإمام واقف في الجهة المقابلة وبعيد عنه ثلاثمائة متر تقريباً، لكنه يبين له الحقيقة، وهكذا الأمر بالنسبة لنا جميعاً. وهذا سر من الأسرار، وأنه كيف يظهر للإنسان باطنه، وعلى الإنسان أن يعتبر من ذلك، فلا يضيع الفرص. فعندما يرى أن لديه نقطة ضعف عليه أن يعرف أن الكاميرا قد اشتغلت، وعندما يشعر في نفسه بوجود عيب فليعلم بأن الكاميرا قد اشتغلت هنا، وعليه أن يسعى للقضاء عليه والوصول إلى المطلوب.
