
أثر الطعام في عملية التكامل
أشار سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره في هذه المحاضرة إلى تأثير الغذاء في علمية التكامل، والصور المثالية للأطعمة وسائر الأعمال، مؤكّداً على ضرورة الاهتمام بمصدر المال والطعام، مع وجوب حفظ احترام المؤمن عند تقصيره بذلك، ومنبهاً على أن الطعام ليس من موارد الاستخارة الصحيحة، إذ قد يؤدي ذلك إلى حصول حالة الوسوسة المؤذية للسالك، ثم يشير إلى كيفية ترتيب الأولويات بحسب الرضا الإلهي فيما يرتبط بالطعام، ويختم ببيان كيفية التعامل مع الطعام المشتبه.
أثر الطعام في عملية التكامل
9كيف نتوضّأ؟! خذ الماء وتوضّأ كما تصنع في الحال المعتاد لك؛ فقد قالوا إنّ الغسل مرّة ثانية هو إسباغ للوضوء. وبعد أن يعلم المكلّف بوصول الماء إلى يده بشكل كامل وفق ما هو متعارف ينتهي الأمر. أما أن يقف ويتفحّص كامل أظفاره، فهذا ما لم يردنا. علينا أن نتوضّأ كما كان يتوضّأ هؤلاء العظماء، فهؤلاء كانوا يتوضّؤون كذلك، ومع ذلك وبهذا الوضوء وصلوا إلى تلك العوالم، فلنتوضّأ نحن بنفس هذا الوضوء! فهذا هو الوقت الذي خصصوه للوضوء، وهذا هو مقدار الماء الذي استهلكوه فيه، لم يبذلوا فيه جرّة سعتها عشر ليترات، لا بل غرفتان باليد بمقدار كوب واحد، فقد كنت يوماً مع المرحوم العلامة فتوضّأ فلم يحتج إلا لكوب واحد وشيء يسير، غرفتان بمقدار كوب واحد، ولا أذكر أنها بلغت الكوبين..! نعم من نفس هذا الكوب الذي في يدي لا أكبر.
وكنت معه يوماً في عرفات خلال رحلتي الأولى إلى الحج إذ كان لي من العمر سبعة عشر عاماً، فقال لي عند الظهر: سيد محمّد محسن أحضر لنا الماء ـ ولم تكن الوسائل معدّة في عرفات كما هي الآن، بل كانت صحراء، ولم يكن فيها حمّامات معدّة للاغتسال ـ فقال لي: املأ الإناء ماء. فذهبت وملأت إبريقاً بلاستيكياً أحمر اللون وابتعدنا عن الخيمة مائة متر فقال لي: صبّ عليّ الماء وأنا أمسح بيدي عليه، ففعلت، فلم يحتج في غسله أكثر من ثلثيه، وقد اغتسلت أنا بالثلث الباقي، فبإناء واحد اغتسلنا كلانا؛ لأني لم أكن لأزيد عليه في الاهتمام بالأمر.
وهذا الغسل أعظم أجراً عند الله من غسلٍ بطنّين من الماء، وما أقوله ليس اشتباهاً، فهذا الغسل هو قطعاً أعظم عند الله، وهو قطعاً ممّا يرضاه الله، لماذا؟ لأنّ من المحرّم على الإنسان أن يتلف الماء، فمتى قام الأئمّة عليهم السلام بذلك؟ ومتى قام الأولياء بمثل ذلك. هذه هي المسائل المهمّة، فالمهمّ هو أن يتّخذ الإنسان ذلك وسيلة وقنطرة للوصول إلى المقصود، لا أن يتوقّف عندها ويتّخذ منها منزلاً، فالخطر يكمن في تبديل هذه المسائل إلى منزل ومقصد، وحينها أين ستكون الصلاة في أول وقتها؟ فما دمت تجلس قرب حوض الماء سبع ساعات وفي النهاية تتوقّف عن التفحّص خوفاً من فوات الوقت، ولو بقيت الشمس لما توقّفت عن ذلك، فأين صلاة أول الوقت إذن؟ ثمّ هل مثل هذه الصلاة يمكن أن تكون مقرّبة؟! فكلّ اهتمامي هو في تحقيق الوضوء الذي أريده، هذه ليست صلاة وليس فيها شيء من التقرّب، إنّها اشتغال بالظاهر. والأمر نفسه في أداء الكلمات والعبارات والأذكار فهي مجرّد قنظرة وينبغي أن لا نتوقّف عندها، ومن كان همّه فقط صحّة أداء مقطع ما من سورة الحمد مثلاً فهو لم يصلّ، وإنّما عمل على تصحيح قراءته. ومن أراد ذلك فليقم به قبل الصلاة فليجلس وليتمرّن على الحروف بمقدار طاقته لا أكثر، فالله لم يرد منا أكثر مما يفوق طاقتنا.
