
الأرزاق الإلهية وكيفيّة تحصيلها
وإشارات إلى بعض أسرار عاشوراء
محاضرة القاها سماحة آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني في 14 ذي القعدة 1431 هـ ضمن سلسلة شرح حديث عنوان البصري، وقد بيّن فيها أنواع الأرزاق الإلهيّة، وما يتعلّق بكلّ منها من أحكام، متوقّفاً عند الرزق المعنوي، وعوامل تحصيله، مؤكّداً على قيمة الاستيقاظ ما بين الطلوعين، وعلى تنمية فهمنا للتوحيد وعدم الاكتفاء بأحوال البكاء والتوسّل، مستغرقاً في بيان واقع التعاطي العاطفي مع سيرة أهل البيت عليهم السلام، مسلّطاً الضوء على حقائق واقعة كربلاء وأحوال بعض أصحاب سيّد الشهداء. ومن أهمّ ما ورد فيها: الأرزاق ثلاثة أنواع:المادية المتعارفة، المراتب العلمية، والرزق المعنوي والارتباط بالله، ضرورة إتاحة الفرصة أمام كافة الناس لتحصيل المراتب العلميّة حتّى للعلوم الدنيويّة، أمر السيد الحدّاد بإيقاظ الأطفال بين الطلوعين وبيان أنّ العلّة في ذلك هو ملاحظة الملائكة لدرجة ارتباط العبد بالله أثناءه. ارتكاب الأخطاء ولو من غير قصد يقلل من الرزق المعنوي، كما قد يؤدّي إلى الانقطاع عن الولاية، قصّة المرحوم الحاج عبد الزهراء الكرعاوي وبيان أسبابها الباطنية وتحديد نوع بكائه على الإمام ، الانقطاع عن الولاية يجتمع مع صلاح الظاهر وهذا هو المخيف، ليس الذنب دائماً ذنب المحيطين بالإنسان، اهتمام العرفاء العظام بمنع المحيطين بهم عن التأثير سلباً عليهم، بكاء الصحابة في وداع النبيّ لم يكن له أيّ أثر في استقامتهم، البكاء المطلوب هو البكاء على غربة النبي المتمثّلة بارتداد الناس عن عليّ، شبه بعض أنواع البكاء على الحسين ببكاء الصحابة. كلمات أمير المؤمنين في ابن مسعود ووقوفه على ظاهر القرآن، مزايا مجلس أبي عبد الله الصفاء والإخلاص لا الإعلان والتمثيل، خصوصيّات الأدعية والأذكار ومناسبتها لأوقاتها، تحرر المرحوم العلامة عن طاعة الأتباع له، ارتباط مستوى الاستفادة من مجالس العزاء بمدى حاجة الإنسان وكيفيّة نيته والتمثيل لذلك بحالات الإنسان المختلفة عند الجلوس إلى المائدة، الفارق بين نيّة الأصحاب الثابتين ونية الذين فرّوا، حقيقة كربلاء هي فناء جميع الأصحاب في الإمام، المرحوم العلامة يمتنع عن استقبال التارك للولاية والمتمسّك بمجرّد البكاء والمجالس، المهمّ هو الإمام المعصوم والالتفات إليه والفناء في ذاته.
الأرزاق الإلهية وكيفيّة تحصيلها
7لقد كان النبي في نفس ذلك المجلس يقول: إنّي تارك فيكم الثقلين، نعم في نفس المكان وفي نفس المجلس، وعلى نفس المنبر، فهل نسيتم ذلك؟ فلم كان كلّ ذلك؟! كان كلّ ذلك لأنّ ذلك البكاء بتمامه دجل واحتيال.. دجل واحتيال.. دجل.. دجل، فكلّ ذلك البكاء والنواح كان دجلاً واحتيالاً، لا، لا أقول كلّها بل أغلبها.
البكاء المطلوب: على غربة النبيّ وارتداد الناس عن عليّ بعد وفاته وعلى بعدنا عنه
إنّ ذلك البكاء الذي كان ينبغي أن تبكوه عند منبر النبيّ، هو البكاء على مظلوميّة النبيّ صلى الله عليه وآله، نعم ذلك البكاء بكاءٌ عن فهم!! لا البكاء على أنّ رسول الله يعلن للناس بأن يأتوا ويقتصّوا منه إن كان لهم بذمته حقّ، لا، فهذه المسألة لا تستدعي البكاء، فالأمر ليس بالمهم، فالرسول قد يكون ـ مثلاً ـ بالفعل آذى بعصاه ذلك الرجل خطأً، وعليه أن يأتي وأن يأخذ حقّه، فينبغي أن نتخيّل أنّ ما حدث هو شقّ القمر، فرسول الله يعلن أن من له مسألة فليأت... هل رأيتم مقدار إدراك الناس إلى أيّ حدّ هو؟ والآن أنا نفسي لو فعلت ذلك، لكتبوا غداً في الإنترنت: السيّد الطهراني يعلن لمن لديه أية شكوى أو مطالبة أن يأتي، ما الأمر يريد أن يموت؟ فليمت. ولكن لا معنى للبكاء والنواح وقراءة العزاء...
إنّ الناس يعطون القيمة لهذه المسائل، والحال أنّ رسول الله لم يكن بصدد التواضع في ذلك الموقف، لم يكن ليلعب بمشاعرهم في آخر عمره، لم يكن يتمسكن ويظهر مظلوميّته، تعرفون كيف يتمسكن الإنسان ويظهر أنّه مظلوم؟! كلّ الناس تعرف ذلك، فهو يبكي بشكل ممتاز جداً، لكنّ الرسول لم يكن من هذا النوع.
واقع المسألة أنّ الرسول كان يرتحل ولم يكن يريد أن يكون لأحد حقّ في رقبته ، لا أكثر، وهذه المسألة ليست بالأمر المهم، وإنّما مظلوميّة رسول الله هي أنّه لن يبقى في الغد مع عليّ بن أبي طالب أكثر من ثلاثة أشخاص! هذه هي المظلوميّة! ينبغي البكاء على هذه القضيّة، ينبغي التأمّل والتفكّر بهذه المسألة: بأنّ هذا الذي يرتحل كان قد عمل لمدّة ثلاث و عشرين سنة من أجل هؤلاء الناس، من أجلهم تحمّل إدماء قدمه بالحجارة التي رميت عليها، وشقّ جبينه وكسرت أسنانه الأربعة، والجراحات التي أصابت بدنه، وكان في كلّ معركة الرجل الأوّل في قبال الأعداء، نفس هذا الرسول كان كذلك، هذا ليس كلام هذا العبد، بل كلام أمير المؤمنين عليه السلام، حيث يقول: >... لم يكن منا أقرب إلى العدو منه<۱، أو قوله: > كنّا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه <٢ يعني كنّا نذهب إليه ونكون حوله فنستمد منه القوّة والشجاعة، هذا الكلام لأمير المؤمنين عليه السلام: >اتقينا برسول الله< وراجعوها في نهج البلاغة، فلم يكن يجلس في منزله ويقول للناس: نعم اذهبوا أنتم اذهبوا! بل كان هو أقرب إلى العدوّ من الجميع مع أنّه كان رسول الله، ومع أنّ الحكومة كانت بيده، مع ذلك كان أقرب إلى الأعداء من الجميع.
- نهج البلاغة - خطب الإمام علي (ع) - ج ٤ - ص ٦۱
- المصدر السابق.
