انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

رؤية مدرسة العرفان حول موضوع التغذية

0
عنوان البصري
عنوان البصري

في إحد محاضراته المعقودة لبيان الحديث النوراني الوارد عن عنوان البصري والتي عقدت في مشهد في الخامس من شهر رمضان سنة 1431هـ أفاد آية الله السيد محمدّ محسن الطهراني أنّه يلزم على السائر إلى الله اجتناب العادات والمجاملات في أكله و شربه وملبسه ومعاشرته وأن ينظر إلى نعمة الله تعالى بنظرةٍ متساويةٍ، فيشتري من اللحم والفاكهة وغيرهما بما يتناسب وأحواله، جاعلاً الرؤية التوحيدّية هي الحاكمة على اختياره وأفعاله. كما أشار سماحته إلى ضرورة الاهتمام بحالات شهر رمضان وإحياء لياليه المباركة وعدم الاعتناء بأصناف الطعام عند الفطور ولزوم تقليل النوم في لياليه مع قراءة دعاء الافتتاح أو مقدار من أبي حمزة الثمالي. وتعّرض السيّد الطهراني إلى وصيّة أمير المؤمنين عليه السلام لابنه الحسن عليه السلام المذكورة في نهج البلاغة، مبيناً طرفاً من أهدافها السامية ونكاتها اللطيفة لاسيمّا فيما يرتبط بالمراقبة والحذر من الوقوع في الهاوية.

رؤية مدرسة العرفان حول موضوع التغذية

6
  • وهذا المنهج يهيّئ الإنسان للكثير من المسائل، وأثره لا يقتصر على الأطعمة فقط، بل يشمل كثيراً من المسائل النفسيّة، فإذا أصلح الإنسان هذا النحو من التفكير فسيجد تغيّراً في كثير من الأمور. ولنعد لتتمّة قصّتنا مع ذلك المضيف فبعد أن شرعنا بهذا النحو من الكلام حول النعم والتعاطي معه قال لنا هذا الصديق الذي كنّا في بيته: نعم نعم ما تقولونه صحيح! وما أعددناه لكم من الطعام هو أعلى من مقامكم بكثير!!!۱ فقلت له (ممازحاً): سرّني فهمك الموضوع فهماً تاماً! ولكن ليس إلى هذا الحدّ! 

  • ما هو التحقيق في المقام 

  • التحقيق: أنّ على الإنسان تجاه نعمة الله أن لا ينظر إلى جهةٍ واحدةٍ، وعليه أن لا يتوّجه إلى جهةٍ خاصّةٍ، بل عليه أن يلتفت إلى كافّة ما أنعم الله به عليه من النعم التفاتة واحدة وينظر إليها نظرة متساوية. فإذا ذهب يوماً إلى السوق ليشتريَ لعياله فاكهة ووجد لديه المال الكافي لشراء فاكهة جيّدة، فليشتر منها، وإذا ذهب يوماً آخر ووجد أنّ وضعه المالي لا يسمح بذلك فليشتر فاكهة من درجة أدنى، أو يرى أنّ هذا البائع لديه هذا النوع من الفاكهة وليس يقوى الآن أن يقصد بائعاً آخر أبعد منه، فليشتر منها بدلاً من أن يذهب إلى بيته خالي اليدين ويقول: لم تكن الفاكهة جيّدة وما المشكلة أن يشتري الإنسان يوماً فاكهة جيّدة ويوماً آخر فاكهة أقلّ جودة، فيرى النوعين وينظر إليهما بنظرة واحدة، ولا يعتاد عياله على نمط واحد من الطعام، بحيث يجعلهم يستقبحون نوعاً معيّنا من الطعام إذا ما صادفوه؟ ينبغي أن لا يختلف الأمر عندنا في نظرتنا لكلا النوعين. 

  • ولذا نجد أنّ الأولياء رضوان الله عليهم كانوا دائماً يراعون هذه السيرة، تبعاً للأئمّة عليهم السلام، فكانوا يقدّمون لضيوفهم ما توفّر، فإن وجدوا الجيّد قدّموه، وإن وجدوا الأقلّ جودةً قدّموه، فقد كان الأصحاب الذين يدخلون على الأئمّة عليهم السلام يجدون عندهم يوماً الرطب الفاخرة مثلاً، ويوماً آخر الرطب العاديّة. كان يذهب إلى السوق أو يرسل خادمه ويأخذ ممّا يجد، ولم يكن يشترط عليه أن لا تشتر إلاّ من الرطب الرديئة، أو لا تشتر إلاّ من الجيّد، لم يكن الأئمّة عليهم السلام كذلك، بل كانوا ينظرون إلى نعم الله نظرة واحدة، وهذه النعمة تارة تتهيّأ بهذا النحو وتارة بنحو آخر. وهذا هو مفتاح حلّ معضلة الجمع بين ذينك الموقفين المتابينين اللذين نراهما من الأولياء، أو نسمعه من أخبارهم. فشراء السيّد القاضي لأوراق الخسّ الذابلة لم يكن بغضاً منه لأوراق الخسّ الغضّة، لا بل كان ذلك رعاية للبائع، وهو كان يبيّن ذلك ويقول: إنّ ذلك البائع فقير ولا أحد يشتري منه هذا الخسّ الذابل، فكان يشتري منه ليوصل إليه المال مع حفظ عزّته، ويستفيد هو من ذلك الخسّ، هكذا كان منهجهم. والسيّد الحدّاد الذي كان يأكل الخبز اليابس مبلولاً بالماء هو نفسه كان يقول لي: إذا ذهبت لتشتريَ التفاح فاشتر من التفاح الأبيض اللبناني؛ لأنّه ذو رائحةٍ عطرةٍ، وطعمٍ لذيذٍ ذي لطافة خاصّة. هو نفسه الذي كان يأكل الخبز اليابس كان يقول ذلك، وعندما كنّا نذهب برفقته لشراء الفاكهة كان يختار الجيّد منها. نعم، تارة يكون البائع قد مزج الجيّد بغيره ليبيعهما معاً فكان يأخذ من الجميع دون انتخاب الجيّد وحده، ولو كان البائع يرضى منه أن يختار منها الحبّات الجيّدة، فلم يكن ليحتّم على نفسه أن لا يشتري إلاّ الجيّد، بل كان يسير وفق السيرة الطبيعيّة المتعارفة، فعندما يكون الجيّد مفصولاً عن غيره وطبعاً تكون قيمته أرفع كان يشتري منه، وإلاّ إذا كان ممزوجاً كان يشتري من النوعين معاً. والمرحوم العلاّمة كان يقول لنا ذلك أيضاً: إذا ذهبت لتشتريَ اللحم فلا تشتره بغير عظم ٍ وشحم ٍ؛ لأنّ ذلك يمكن أن يؤدّي إلى الإجحاف بسائر المشترين؛ فإنّك إذا اشتريت اللحم وحده فسيكون العظم والشحم الباقيان من نصيب مسكين من المساكين على حساب اللحم الذي ستشتريه. أمّا إذا اشتريته بعظمه وشحمه فسيوزّع اللحم بالسويّة على المشترين كلّهم، ولذا نحن كنّا نشتريه كذلك ولا زلنا، وهذه مسائل ينبغي رعايتها بحسب الظاهر. 

    1. ترجمة لمثل في الفارسيّة يقول: از سر شما هم زياد است. يستعمل عادة للتقليل من شأن المخاطب.