
رؤية مدرسة العرفان حول موضوع التغذية
في إحد محاضراته المعقودة لبيان الحديث النوراني الوارد عن عنوان البصري والتي عقدت في مشهد في الخامس من شهر رمضان سنة 1431هـ أفاد آية الله السيد محمدّ محسن الطهراني أنّه يلزم على السائر إلى الله اجتناب العادات والمجاملات في أكله و شربه وملبسه ومعاشرته وأن ينظر إلى نعمة الله تعالى بنظرةٍ متساويةٍ، فيشتري من اللحم والفاكهة وغيرهما بما يتناسب وأحواله، جاعلاً الرؤية التوحيدّية هي الحاكمة على اختياره وأفعاله. كما أشار سماحته إلى ضرورة الاهتمام بحالات شهر رمضان وإحياء لياليه المباركة وعدم الاعتناء بأصناف الطعام عند الفطور ولزوم تقليل النوم في لياليه مع قراءة دعاء الافتتاح أو مقدار من أبي حمزة الثمالي. وتعّرض السيّد الطهراني إلى وصيّة أمير المؤمنين عليه السلام لابنه الحسن عليه السلام المذكورة في نهج البلاغة، مبيناً طرفاً من أهدافها السامية ونكاتها اللطيفة لاسيمّا فيما يرتبط بالمراقبة والحذر من الوقوع في الهاوية.
رؤية مدرسة العرفان حول موضوع التغذية
2أعوذ باللـه من الشيطان الرجيم
بسم اللـه الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمد
وعلى آله الطيبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
لقد تكلّمنا عن حالات الأولياء في شهر رمضان في مجالس سابقة, وكذا الكلام في ما رأيناه وتوصّلنا إليه وسمعناه من الأولياء في هذا المضمار وما شاهدناه من سيرة حياتهم, والإخوة مطّلعون على ذلك إلى حدّ ما. نعم, يتراءى لنا أنّ حقيقة الأمر لم تتّضح بعد بشكلٍ تامٍّ.
فنقول: تقدّم الكلام سابقاً حول ضرورة رعاية البساطة في الأكل وتناول الطعام وقد نقلنا مطالب متعدّدة عن الأولياء في هذا المجال.
فما هو هدف الأولياء من الأكل؟ وهل كان هدفهم هدفاً استقلاليّاً؟ أو كان تعاملهم مع الأكل تعاملاً آلياً من باب الواسطة والمقدّمة لأمور أُخرى؟
ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: «المؤمن يأكل بشهوة أهله, والمنافق يأكل بشهوة بطنه». فالمؤمن إنّما يأكل مماشاة للجالسين معه على المائدة, بينما المنافق يأكل لشهوته ورغبته, فهو يريد أن يتلذّذ بالأكل, فإحدى ملذّاته التي يمارسها في الدنيا تناوله للأكل المتنوّع, والتهامه لأصناف الطعام وألوانه, وهكذا هي سيرة المنافق.
هل يلزم اختيار الرديء من الطعام واللباس؟
والآن نود أن نرى: هل المسألة واقعاً هي بهذا الشكل؟ يعني: هل نحن مأمورون في هذه الدنيا أن نجتنب ألوان الطعام ونعطيه لغيرنا أم لا؟ أم أنّ المسألة لها شكلٌ آخر؟
ذكرت في المجلس السابق أنّ بعضهم يصرّح بأنّه علينا أن نتوجّه إلى الطعام والأكل الرديء, فحينما تريد أن تشتري تفّاحاً عليك أن تشتري التفّاح الفاسد المتعفّن, وإلّا فلو اشتريت التفّاح الناضج الجيّد لنقص من إيمانك! ولو أردت أن تشتري سيّارة فلا بدّ أن تشتري سيّارة تتعطّل بك كلّ يوم؛ فيوم (الكاربريتور) وآخر (السيلاندر) وآخر (إطاراتها) وهكذا, يعني ينبغي أن لا تشتري سيّارة جيّدة, وإلّا خالفت مباني السلوك!!
فيلاحظ: أنّ أفكار البعض بهذا النحو , وهم يدورون في هذا الفضاء, وهؤلاء يعرّفون الإنسان الزاهد بهذا الشكل. ويمكن أن يضيفوا إلى ذلك بعض الشواهد من سيرة الأئمّة أو الأولياء؛ حيث صدر منهم أحياناً ما يشبه ذلك، بل ليس أحياناً وإنّما كان الغالب على سيرتهم ذلك, فأغلب حياتهم كانت بعيدة عن الاعتباريات والتنعّم وأمثال ذلك. وهكذا الكلام فيما أشار إليه المرحوم العلّامة في كتابه «الروح المجرّد» من أنّ المرحوم القاضي كان حينما يذهب للتسوّق كان ينتخب الخسّ الرديء, وكذلك بعض الأفراد الآخرين. فجميع ذلك قد يولّد شبهة لدى الإنسان مفادها: إنّ مسألة السير والسلوك على هذا النحو, فتصبح رؤية الإنسان تجاه أمور الدنيا والشؤون الحياتيّة بهذا النحو, فيكون القانون الأصلي هو ذلك. نعم, قد لا نقول إنّ الاتّجاه الآخر حرام, ولكن على الأقل ليس مورد رضا الله. وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام الكثير من ذلك, كما قد استعرضنا ذلك في المجلس السابق من أنّه كثيراً ما كان يتّفق له عليه السلام أنّه كان يمسك نفسه ويكفّها. أو يأتي إليه فقير فيعطيه ما بيده ولا يبقى لديه شيء, وذكرنا الحادثة المرويّة عنه عليه السلام من أنّه كان يشتهي أكل شيء من كبدة مشويّة, فيقول الإمام الحسن عليه السلام أنّه قد مرّ على طلبه سنة تقريباً, وأنّ ذلك إنّما كان بسبب نسيان الإمام الحسن . فهل كان نسيانه عليه السلام نسياناً حقيقيّاً أو أنّه كان من قبيل نسيان النبي يوسف وأمثال ذلك!! فهنا أسرار وحقائق, وإلّا فهل يتصوّر أن يطلب أبٌ كأمير المؤمنين من ابنٍ كالإمام الحسن ثمّ ينسى الابن!! فهو ممّا لا يقبل التوجيه أصلاً.
