
خصوصيات شهر رمضان في نظر العرفاء
تفضّل بهذه المحاضرة سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الطهراني حفظه الله باللغة الفارسيّة في مدينة قم المقدّسة، الليلة الثانية من ليالي شهر رمضان المبارك من عام 1431 هـ وذلك بمناسبة حلول هذا الشهر الشريف. وقد أتمّ فيها سماحته بعض المطالب حول التغذية مما كان قد شرع به في شرح حديث عنوان البصري، وذلك بعد حديثه عن قيمة شهر رمضان المبارك عند أولياء الله رضوان الله عليهم، والأهميّة الخاصّة التي كانوا يولونها إيّاه فيقيمون المأتم لفراقه ويزورون المشاهد الشريفة شكراً عليه. كما بيّن فيها سماحته أهمّ ما ينبغي مراعاته للفوز برضوان الله في هذا الشهر فذكر تشديد المراقبة على الأفكار والأقوال والأفعال، مؤكّداً ضرورة التقليل من الطعام، واجتناب الاهتمام بما لا يلزم من الأمور والأخبار والأحداث والعلاقات، والتي لا تدع مجالاً في القلب لتنزّل البركات الإلهيّة عليه، وخصوصاً إذا طغت على أجواء مجالس الذكر والوعظ والعزاء.
خصوصيات شهر رمضان في نظر العرفاء
11فذاك الشخص الذي يفكر من الظهر إلى المساء بما ستعدّه له زوجته من طعام، وما ستضعه على المائدة أمامه عند الإفطار.. لا يمكنه أبداً أن يغور في هذه المطالب ويسير في هذه الأفلاك، ولا يقدر على أن يتحرك في هذا الطريق، أو يحلّق في هذا الأفق.. لا يمكنه ذلك أبداً. وهذه المسألة مهمّة جداً، وعلينا جميعاً أن نلتفت ونتنبّه إليها.. علينا أن نلتفت إليها في هذه الأيام خصوصاً في هذا الشهر المبارك الذي لا يوجد له مثيل أبداً، وليس له نظير، وهو ليس أكثر من ثلاثين يوماً. وهذا التغيير الذي يحصل للإنسان مختص بهذا الشهر، نعم هذه هي المشيئة الإلهية، فما المصلحة في أن يختار الله تعالى هذا الشهر فقط من بين اثني عشر شهراً؟ فأحياناً يفكر الإنسان ويقول: ما المشكلة في أن يكون شهر رمضان كل ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر؟ بأن يمر ثلاثة أشهر وبعدها يأتي شهر رمضان، ثم تمر ثلاثة أشهر أخرى ويأتي شهر رمضان... لكن نرى أنّه يكفي شهر رمضان واحد لكل اثني عشر شهراً، فهذا الشهر وحده يكفي لتعيين التقدير والمشيئة الإلهية، وذلك إذا التفتنا إليه واهتممنا به، وإذا عملنا بما هو موضع رضا الله تعالى، دون أن نفكر أو ننظر بشكل مستقل.
اجتناب الأمور غير الضروريّة
المسألة الأخرى التي ينبغي الاهتمام بها في هذا الشهر المبارك هي اجتناب الأمور غير الضرورية، فعلى الإنسان أن يبتعد عن الأمور غير الضرورية؛ كالأخبار والأحداث التي تجري... فهذه الأمور تقف أمام نزول الفيض الإلهي والرحمة الإلهية، وعندما تنزل الرحمة وذاك الفيض على قلب المؤمن تجد بأنّه لا مكان لها حتى تستقر في قلبه، إذ صار هذا القلب مملوءاً بتلك الأخبار والأحداث، وأصبح هذا العقل مليئاً بالتشتت والتفرقة والأمور المختلفة ـ وهو ما نسميه بالمراقبة في الأفكار ـ فعندما تريد أن تتنزّل لا تجد لها مكاناً، فلا تأتي إليه بل ترحل عنه إلى غيره، وتقول له: لم تدع لي مكاناً في قلبك، ولن أكون طوعاً بين يديك، فهناك أفراد آخرون لديهم قابليّة لتلقّي هذه الرحمة، سنذهب إليهم ونحطّ عندهم، ولن نأتي إلى هنا؛ لأنك ملأت فكرك وذهنك بالأمور التي لا تنفعك ولا تفيدك، ولم تدع مجالاً لشيء آخر.
