
الطعام بين الإفراط و التفريط
وهي المحاضرة 180 من سلسلة محاضرات شرح حديث عنوان البصري ألقاها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره مساء يوم الجمعة الرابع من شهر شعبان المعظّم في مدينة قم المقدّسة وذلك باللغة الفارسيّة وقد تعرّض فيها إلى مسائل ذات أهّمية واضحة في سير الإنسان وسلوكه من قبيل : ضرورة اجتناب الإفراط و التفريط في الأكل و الشرب و نحوهما , و دور الغفلة و المراقبة في هويّ الإنسان ورقيّه , وسيرة أولياء الله تعالى في الاستفادة من نعمه تعالى وموقفهم تجاه ما أحلّه الله لبني البشر, ورؤية العارفة الموحّدة السيدة زينب عليها آلاف التحيّة والثناء وموقفها تجاه أحداث عاشوراء وما بعدها.
الطعام بين الإفراط و التفريط
5رؤية العارف غير رؤية الجاهل
فالموحّد يرى كلّ شيء من الله، كلّ شي يراه من الله، ولكن عليه في الوقت ذاته أن يعمل بالنحو الذي خلق عليه ووفق ما يطلبه منه الله وأن يمشي على الطريق القويم الذي أمره به. فالله خلق الإنسان بهذه الخصوصيّات وهذه الأخلاق، وبهذا الطبع وهذه الحواس وهذه الفطرة وهذه التركيبة، والإنسان بهذه الأمور يرى شيئاً جميلاً وملفتاً، والله تعالى هو الذي جعل فيه هذا الأمر، فرؤية الشيء جميلاً، والارتياح للشيء الجميل كلّها من الغرائز الجميلة. "إن الله جميل ويحبّ الجمال"، فالله تعالى هو الذي خلق الإنسان بهذا الشكل، هو الذي جعله يأنس بالنظر إلى الوردة الجميلة، وجعلنا نأنس من الرائحة الجميلة العطرة، وفي الوقت ذاته خلق الله مخلوقات أخرى، تأنس بروائح أخرى فما دخلنا نحن بها، الأمر لا يهمّ، فبعض الحيوانات تأكل الميتة، وكلّما كانت الميتة أكثر جيفة يكون أكلها أكثر لذّة بالنسبة إليها، فما علاقتي أنا بذلك الحيوان؟ وهذا أمر مهمّ ويمكن أن يعود إلى الكثير من الموارد؛ إذ المسائل الثقافيّة التي لدينا والقيم التي نختارها فيما بيننا ترجع إلى هذا الأمر، وهو ما سيوصل إلى هذا الأمر. وإذا وفّقنا الله تعالى سوف نشير في كتاب الارتداد في الإسلام إلى هذه المسألة؛ إذ سنبيّن كيف أنّ الذوق والثقافة والفطرة التي منحها الله للإنسان ووهبه إيّاها، والتي يمكنها أن تشاهد الجمال الإلهي كما هو فعلاً، وترى الكمال الذي جعله الله كما هو واقعاً والجمال الذي جعله الله له، وترى الجلوات الرحمانيّة بالرحمة التي جعلها الله.. ثمّ يأتي هذا الإنسان ويجعل نفسه في جوٍّ مختلف ومناخ غير مناسب ويربّي نفسه في فضاء غير منسجم مع فطرته، فعند ذلك سوف يرى الجمال غير جميل، فهذا الأمر عجيب جدّاً. ما نراه الآن بين الناس من وضع بعض الصور والأشكال على أجسامهم من رأسه إلى رجليه ويديه، ويضع صور الجنّ على جسمه، وهو يرى أنّ هذا جميل له.. واقعاً يتعجّب الإنسان من هذا الأمر، فالإنسان الذي يمكن أن يكون جميلاً وحسن المظهر يأتي ويشوّه جسمه بيده ويصير قبيحاً بهذا الشكل، ومع ذلك يأنس بهذا الأمر
