
الطعام بين الإفراط و التفريط
وهي المحاضرة 180 من سلسلة محاضرات شرح حديث عنوان البصري ألقاها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره مساء يوم الجمعة الرابع من شهر شعبان المعظّم في مدينة قم المقدّسة وذلك باللغة الفارسيّة وقد تعرّض فيها إلى مسائل ذات أهّمية واضحة في سير الإنسان وسلوكه من قبيل : ضرورة اجتناب الإفراط و التفريط في الأكل و الشرب و نحوهما , و دور الغفلة و المراقبة في هويّ الإنسان ورقيّه , وسيرة أولياء الله تعالى في الاستفادة من نعمه تعالى وموقفهم تجاه ما أحلّه الله لبني البشر, ورؤية العارفة الموحّدة السيدة زينب عليها آلاف التحيّة والثناء وموقفها تجاه أحداث عاشوراء وما بعدها.
الطعام بين الإفراط و التفريط
4هناك نوع من الناس يفكّرون بهذا النحو، وقد كنت أعرف الكثيرين منهم، وكنت ألمس منهم ذلك، وإذا أردنا أن نبحث في تفاصيل ذلك فإنّ هذا المنهج يشمل عندهم جميع المجالات ولا يختصّ بالأكل والشرب فقط. فمثلاً في الزواج لا بدّ من تطبيقه أيضاً، مع أنّه أهمّ!! والحال أنّا نجد أنّ ذوق هؤلاء الناس في هذا الموضوع أفضل من ذوقنا!! ولديهم أمور مهمّة ينبغي الالتفات إليها، بل يمكن أن يكون لديهم آراء وأذواق لم نلتفت إليها ولم ننتبه لها أصلاً. لا يمكن أن يكون الأمر بهذا الشكل وبهذه الكيفيّة، فهذه مسألة موجودة ـ باختلاف ـ في أذهان هؤلاء (المقدّسين)، حتى أنّهم طرحوا هذه المسألة بعنوان كونها ثقافة وأمراً مشهوراً، وقد لاقت رواجاً وقيمة بين الناس؛ حيث يقال مثلاً بأنّ حياة فلان حياة بسيطة، وهو يعيش حياة زهد، وأنّه ينبغي أن يكون الإنسان كذلك، وأنّه ينبغي أن يعدّ المثال والقدوة في ذلك.
موقف المعصوم والوليّ تجاه نعم الله تعالى
و الحق أنّ هذا الأمر هو جهة من جهاته، فمن جهة أخرى نرى أنّه لم يكن في حياة الأئّمة عليهم السلام مثل ذلك، كما لم يكن ذلك بين الأولياء، وإذا كنّا نشاهد هذا الأمر في بعض الحالات، ففي المقابل هناك أمور أخرى أيضاً، وقد شاهد الحقير السيّد الحدّاد رضوان الله عليه ـ وكنت حينئذٍ صغيراً ـ عندما كان يذهب إلى السوق.. أو عندما كان أحد الأشخاص يريد أن يقوم بفعل مخالف كان يعترض عليه، فيقول : لماذا تفعل هذا الأمر، ولماذا تقوم بأمر مخالف؟ أو عندما كنّا في منزل المرحوم الحدّاد ـ الآن تذّكرت هذه المسألة ـ وأتى أحدهم وكان يحمل نوعين من التفّاح (والتفاح هناك كان يأتي من لبنان؛ إذ لا أعتقد أنّه من العراق، حيث كان التفّاح قليلاً في العراق أو لم يكن يوجد أصلاً، وعلى كلّ حال كان التفّاح من لبنان في ذلك الحين وكان جيداً جداً، بخلاف هذا الوقت الذي لا يختلف التفاح فيه من مكان إلى آخر، خصوصاً مع وجود الأدوية والأسمدة الكيماويّة التي تعطى لها حيث أفقدتها طعمها ورائحتها، وكان تفّاح لبنان في ذلك الوقت ذا رائحة عطرة، فعندما يوضع في غرفة كانت تفوح رائحتها وتتعطّر الغرفة بأسرها، لكن للأسف لم يعد ذلك الأمر كالسابق بعد الأدوية الحديثة والأسمدة وسائر الموادّ الكيماويّة. نعم، في الفترة الأخيرة حصل التفات إلى ضرورة العودة إلى كيفيّة الإنتاج السابق، بل يُلاحظ أنّه حصل التفات إلى هذه المسألة حتّى في أوروبا والغرب، حيث صار من الرائج الآن الاهتمام بالفواكه الطبيعيّة التي لا يستخدم فيها الأسمدة والموادّ الكيماويّة، وهذا النوع من الفواكه يباع بأضعاف ثمن غيره، وهذا يكشف عن وجود تحول آخر على هذا المستوى، والعودة إلى النمط القديم والتقليدي في التغذية، حيث التفتوا إلى الخطأ الكبير الذي وقعوا فيه من هذه الجهة، وأيقنوا بضرورة العودة إلى طرق الإنتاج التقليديّة القديمة). وكان يحمل هذا الشخص معه نوعين من التفّاح: تفّاح أحمر وتفّاح أصفر، وحين قدّمها إلى السيّد الحدّاد تناول من التفّاح الأصفر وقال: هذا التفّاح ألطف من التفّاح الأحمر، وعند ذلك عرفنا أنّه يفضّل التفّاح الأصفر على الأحمر. حسناً، ماذا يعني هذا؟ هذا يعني أنّ لدى السيّد الحدّاد ـ كسائر الأشخاص ـ طبيعة وذوقاً خاصّاً.. فقد يكون لدى شخص آخر طبع مختلف، ما العيب في ذلك؟ وهنا نلاحظ أنّه لم يتناول ما هو سيئ في نظره، ولم يقل: يجب أن أتناول ما لا ترغب فيه نفسي وأدع ما ترغب فيه، وكنت أرى منه ذلك دائماً. فعندما كنّا نذهب لنشتري الفاكهة والتفّاح كان المرحوم الوالد يقول: إنّ السيّد الحدّاد يحبّ التفّاح الأصفر، وكنّا نشتري منه. وهكذا كنّا نلاحظ المرحوم الوالد كان يفضّل بعض الفاكهة على بعضها الآخر، وكذا الحال في الزهور و الورود، فأيّ من العرفاء كان ينزعج من عطر الورد المحمّدي، أو ينزعج من شكلها ولونها؟ فمتى رأينا عارفاً ينفر من رائحة العطور الجميلة، أو يفرّ منها؟ ما شاهدناه من سيرتهم مختلف عن ذلك تماماً؛ حيث كانوا يظهرون رغبتهم، فقد رأيت من بعض الأفراد الذين كان لديهم شبهة كبيرة يقول: إنّ وليّ الله... ـ لا أستطيع أن آتي بالعبارة التي استخدمها فقد استخدم عبارة غير مناسبة ـ لكن هل الأمر لا يختلف بالنسبة إلى وليّ الله بين الرائحة الجميلة والقبيحة؟ قلت له: يا مغفّل! إنّ وليّ الله وإن كان في حالة التوحيد، لكن الأُمور لا تختلف واقعاً بالنسبة إليه، فما هذا الكلام التي تقوله؟ فالإنسان عندما يصل إلى مقام الولاية والتوحيد ويلتفت إلى أنّ كلّ ما هو موجود في هذا العالم هو من الله تعالى.. نعم يعلم أنّ الميكروب من الله والجرثومة من الله، يعلم ذلك، لكن لا يعني ذلك أن يتناول الجراثيم والميكروبات، ويقول : إذا كان الميكروب من الله فليحصل ما يريد؛ لأنّه من الله. إذا كان الأمر كذلك فالسكّين أيضاً من الله، فهل يمكن لك أن تدخله في بطنك؟ والرصاصة من الله فهل يمكن أن تطلقها على رأسك؟ لا ليس الأمر كذلك، جميع الأمور من الله، لكن كلّ شيء له موقعه الخاصّ ومكانته المحدّدة، فأنا الآن في هذه الحالة الصحيّة، إذاً هذا الطعام جيّد لي، بينما إذا تناولت ذاك الطعام سيكون سّماً لي، إذا تناولته سأموت. فالطريق الذي جعله الله لتكاملي هو هذا الطريق، وإذا أردت أن أتجاوزه سأقع وأموت، وعندما يشقّ طريق أمامي عليّ أن أمشي فيه، والذهاب يميناً وشمالاً موجب لضياعي، وهذا القانون هو قانون الله تعالى، وهذا الطريق أيضاً من الله. فهل الله هو الذي أمرني أن أمشي بشكل خاطئ لأنّه هو الذي جعل هذا القانون؟ بل عليّ أن أمشي في طريقي، وهذا الأمر مهمّ جدّاً ودقيق؛ إذ أنّه يفيد في العديد من الموارد والمطالب ويفتح الطريق للإنسان.
