
الطعام بين الإفراط و التفريط
وهي المحاضرة 180 من سلسلة محاضرات شرح حديث عنوان البصري ألقاها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره مساء يوم الجمعة الرابع من شهر شعبان المعظّم في مدينة قم المقدّسة وذلك باللغة الفارسيّة وقد تعرّض فيها إلى مسائل ذات أهّمية واضحة في سير الإنسان وسلوكه من قبيل : ضرورة اجتناب الإفراط و التفريط في الأكل و الشرب و نحوهما , و دور الغفلة و المراقبة في هويّ الإنسان ورقيّه , وسيرة أولياء الله تعالى في الاستفادة من نعمه تعالى وموقفهم تجاه ما أحلّه الله لبني البشر, ورؤية العارفة الموحّدة السيدة زينب عليها آلاف التحيّة والثناء وموقفها تجاه أحداث عاشوراء وما بعدها.
الطعام بين الإفراط و التفريط
3هذا التعارض الذي يبدو لنا كيف يمكن حلّه؟ فمن جهة يقول الله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زينَةَ اللَّهِ الَّتي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْق}۱ ، الرزق الطيّب هو الرزق الذي لا شبهة فيه، ولا إشكال في أنّ الرزق نعمة إلهيّة، وهل ما نشاهده الآن هو غير ما جاء من الله؟ هل شجرة التفّاح التي تثمر بقدرة الله ولطفه وتظهر قدرة الله تعالى هي غير ما يأتي من عند الله، تلك الشجرة التي تربّي الثمرة وتظهر قدرة الله في التفاحة هل يختلف الحال فيها بين التفاحة الكبيرة و الصغيرة؟! أليس الذي صنع الكبيرة هو الذي صنع الصغيرة؟ إذا كانت التفاحة كبيرة فلا إشكال في تناولها بالنسبة لنا، ولكن فيها إشكال عند ذلك النوع من الناس ذوي التفكير البسيط والمتحجّر والجاهل، والناشئ عن عدم الفهم وعن ضيق الصدر، فهؤلاء الأفراد عادة يمتازون بضيق الصدر، ومستواهم الفكري متدنّ.
و هكذا كلامهم.. مسلكهم.. طريقة إنفاقهم على أنفسهم، وهم لا يريدون أن يكونوا كذلك وحدهم بل يحاولون أن ينشروا هذا المنهج ويفرضوه على الآخرين، يعدّون حياة من سواهم حياة الملوك.. حياة الجهلة.. المستكبرين.. المتكالبين على الدنيا.. فما الفرق بين هاتين التفّاحتين؟! فهذه الشجرة تعطي هذه التفاحة وتعطي تلك، وكلاهما من الله وكلاهما من منشأ واحد، فلماذا تكون هذه جائزة وتلك غير جائزة؟! لا يختلفان سوى في الوزن، فإذا أردنا أن نشتري لا بدّ أن نشتري هذه الرديئة دون تلك! كلاهما من الله، كلاهما هبة الله، وكذا في سائر الأمور؛ في كيفيّة المركب والملبس والمسكن، كيف يمكن توجيه ذلك؟ الله يقول: من الذي حرّم هذا، ومن قال: إنّ هذا الرديء هو المطلوب؟! نحن نرى مثل هذا النوع من الناس، وهم يعتقدون أنّ من كان يريد الآخرة عليه ألا يلتفت إلى لذّات الدنيا، من كان يريد التوجّه إلى الآخرة فعليه ألا يلبس ثياباً نظيفة مرتّبة، عليه ألا يضع على بدنه العطور الجميلة؛ لأنّها لأهل الدنيا، من كان يريد الآخرة عليه أن لا يتناول من الطعام الذي يرغبه الناس، لا بدّ أن يأكل طعاماً لا يرغب به الناس، عليه أن يعيش في الدنيا بهذا النحو ليتمكّن من تقوية الجانب الأخرويّ، ولا بدّ أن يتجاوز عن هذه المسائل.
- سورة الأعراف، الآية: ٣٢.
