
الطعام بين الإفراط و التفريط
وهي المحاضرة 180 من سلسلة محاضرات شرح حديث عنوان البصري ألقاها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره مساء يوم الجمعة الرابع من شهر شعبان المعظّم في مدينة قم المقدّسة وذلك باللغة الفارسيّة وقد تعرّض فيها إلى مسائل ذات أهّمية واضحة في سير الإنسان وسلوكه من قبيل : ضرورة اجتناب الإفراط و التفريط في الأكل و الشرب و نحوهما , و دور الغفلة و المراقبة في هويّ الإنسان ورقيّه , وسيرة أولياء الله تعالى في الاستفادة من نعمه تعالى وموقفهم تجاه ما أحلّه الله لبني البشر, ورؤية العارفة الموحّدة السيدة زينب عليها آلاف التحيّة والثناء وموقفها تجاه أحداث عاشوراء وما بعدها.
الطعام بين الإفراط و التفريط
2أعوذ باللـه من الشيطان الرجيم
بسم اللـه الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمد
وعلى آله الطيبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
تمهيد
تقدّم في المجالس السابقة حول حديث الإمام الصادق عليه السلام أنّ للإمام ـ كما يذكر الإخوة الكرام ـ وصايا حول المراقبة في المأكل والمشرب والغذاء، وإن شاء الله سنبيّن لهم كيفيّة التغذية وميزان رعايتها وذلك بالاستفادة من سائر وصايا الإمام الصادق عليه السلام في هذا الباب الصادرة عنه وعن سائر الأئمّة المعصومين عليهم السلام، وبالاستفادة من سيرة أولياء الله في التعامل مع هذا الأمر، من خلال ما لاحظناه طيلة حياتهم وما شهدناه منهم في الظروف المختلفة والأحوال المتفاوتة، لكي يتسنّى لنا بعد ذلك العمل بوصاياهم و إرشاداتهم.
لزوم الابتعاد عن حالتي الإفراط والتفريط
وكما تقدّم آنفاً، هناك من اتّخذ طريق الإفراط في المسألة، وهناك من اتّخذ طريق التفريط؛ فهمّ كثير من الناس هو المبالغة في أنواع المأكولات والاستفادة غير الصحيحة والإسراف وبذل الأموال في الموارد غير اللازمة، بحيث يعرّضون سلامتهم للخطر ظاهراً وباطناً. وفي المقابل نجد من اتّخذ التفريط مسلكاً له، فحرّم على نفسه نعم الله، وحرَمها من ذلك القسم من الملذّات السليمة، وهو يتوهم أنّ هذه النعم والمواهب الإلهيّة لفئة خاصة خارج دائرة المؤمنين والصلحاء، وأنّ عليه أن يستفيد من نوع خاص يشكّل الحدّ الأدنى من الحياة، وأما تلك الملذّات فهي مختصة بالآخرين. فمثلاً لو كان هناك فاكهة في مجلس ما وأريد إعطاؤه منها، فإنّه يسعى أن يأخذ من النوع الأدنى، وربّما لا يتأذّى إذا رآه الآخرون يفعل ذلك!! وكذلك إذا كان هناك في مكان وفيه متّكأ أو فراش فإنّه يحبّ أن يجلس بعيداً عنه، أو كما ينقل عن بعضهم أنّه كان يصلّي في الشتاء في الأماكن الباردة وفي الصيف في المواضع الحارّة، وكان يقول: إذا رأوني في الظلّ ربّما كان عملي رياءً، فقلت: اذهبوا وقولوا له: نعم صحيح، لعلّه وقف تحت الشمس مدّة طويلة حتّى أثّرت على عقله فغيّرت نحو تفكيره..!!! الآن صارت الصلاة تحت السقف رياء! إذا خرج الإنسان عن سواء السبيل والمسير جاءته الوساوس من شتّى الطرق وسيطرت عليه إفراطاً وتفريطاً، والسالك هو الإنسان الذي يتحرّك وفق المسير الصحيح.
