
تناول الطعام في نظر العرفاء
المحاضرة 179 من سلسلة محاضرات عنوان البصري التي ألقاها سماحة السيد محمد محسن قدس سره ليلة الثلاثاء 17 جمادى الثانية 1431هـ في مدينة قم، وهي تشتمل على ضرورة المراقبة في تناول الطعام، وعدم الاهتمام بالأمور الخارقة للعادة في السير والسلوك، بل التسليم للمشيئة الإلهيّة والاعتماد على المراقبة للوصول إلى الكمال، وأن هذا هو أسلوب مدرسة أهل البيت، هذا بالإضافة إلى وصايا بخصوص الأشهر الثلاثة رجب شعبان وشهر رمضان.
تناول الطعام في نظر العرفاء
5فلم أرَ المرحوم الوالد أو السيّد الحدّاد في أسفاره إلى إيران إذ كثيراً ما كان يأتيه نساء يطلبون منه لقاء وجلسة ـ وهذه المطالب لم تكن في بالي ولكن الآن خطرت على بالي حيث كان عمري ۱۸ سنة ـ فيجلسون معه ساعة أو أكثر وطوال تلك المدّة لم أجده نظر ولو مرّة واحدة إلى وجه تلك المرأة!! أمّا نحن فنشرع مباشرة: سلام عليكم كيف حالكم؟ كيف أوضاعكم؟ كيف دروسكم؟ ثمّ ثمّ ... فهل نتوقّع مع هذه الحالة أن لا يحصل لنا أي تخيل؟! هل ممكن ذلك؟! لا يمكن فحينما آخذ السكين وأمرره على يدي فسوف تجرح ولا عجب.. فحتّى لو قلت: لا تجرحي!! فهي ستدخل في اللحم وستجرح.. فهذا النمط من التفكير لا يوصلنا إلى شيء أبدا ولا فائدة فيه أصلا. هناك مطلب ورد ذكره في كتاب الروح المجرّد ـ حسبما أتصوّر أو في إحدى مخطوطات المرحوم العلاّمة أو فيهما معاً ـ :يأتي شخص إلى المرحوم القاضي يطلب منه ذكراً يساعده على أن لا تقع عينه على غير ذي محرم ويأخذ منه هذا الذكر بحيث تغلق عينه حينما يواجه امرأة بشكل تلقائي. ويُلاحظ أنّه لا فائدة في ذلك أصلاً ولا يترقّى السالك أبداً عن هذه الرتبة فأنت مثل الحجر ولا تفاوت بينك وبينه فلو وضعنا الحجر جنب امرأة أو رجل فهل يشعر بشيء؟ لا .. فهو حجر وجصّ..
فحينما يضع الإنسان نفسه في حصن من هذا القبيل فسوف لا يترقّى ولا يعود يجاهد نفسه لذلك يقول الأولياء: إنّ السلوك يرجع إلى المراقبة بنسبة تسعين بالمائة وبنسبة عشرة بالمائة فقط يرجع إلى غيرها من ذكر أو ورد أو صلاة السحر وغير ذلك من المطالب التي سوف نبيّنها إنْ شاء الله أي: نسبة تسعين بالمائة للمراقبة والتدقيق والانتباه والحذر. لماذا يؤكّد العظماء على أنّه لا ينبغي أنْ يكون هناك عصبيّة في علاقاته؟ لأنّ وقوع حالة واحدة من العصبيّة تزيل كلّ مجاهداته وتذيب آثارها هذا إنْ لم يخسر أكثر فكسر قلب مؤمن تُذهب كلّ شيء بل تجعلك مديناً.. وقول كلام مخالف وعدم ضبط اللسان يزيل كلّ مجاهدات الإنسان ويميت آثار عباداته وصلاته التي صلّاها ليلاً ويذهب بأثر كلّ ذلك بل سوف تتبدّل هذه المجاهدات تدريجيّاً إلى حالةٍ توجب تثبيت تلك الكدورة في قلب الإنسان ويا ليتها لم تكن أصلا يعني مسائل المجاهدات الليليّة والعبادات تصبح مادّة لإلصاق كدورات النهار في ذاته ونفسه فيا ليته لمْ يأت بالصلاة ليلا ولم يداوم على الذكر ولم يقم بالأوراد الليليّة والسهر... فعدم القيام بأعمال الليل مع المخالفة في النهار أسهل وأهون من القيام بها!!
