
ماهي حقيقة النورانيّة والظلمانيّة في فعل الإنسان؟
في أي مرتبة يتحدّد الجانب الظلماني أو النوراني للفعل؟ كيف يتلبّس الفعل بجانبه الظلماني أو النوراني؟ ما هو تأثير أفعال الإنسان الظلمانيّة على وجوده ومصيره؟ وماهي الأفعال التي تؤثّر في نورانيّة الفعل وظلمانيّته؟هي أسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى لمعالجتها. ثم ختم بذكر بعض التوصيات للاستعداد لدخول شهر رمضان وكيف لنا أن نزداد فيه نورانيّة؟ متطرّقًا في ضمن ذلك إلى مجموعة من التساؤلات والمواضيع الأخرى.
ماهي حقيقة النورانيّة والظلمانيّة في فعل الإنسان؟
9فتلك الحقيقة النورانيّة [أو الظلمانية] المثاليّة موجودة في كلّ شيء؛ فلكلّ شيء إمّا جانب نورانيّ نتيجة لاتّصاله بمقام التجرّد الربوبي أو جانب ظلماني بسبب ابتعاده عن ذلك المقام، حيث يظهر هذا الأمر ويتّضح للمرء في أشكال وصور مختلفة، ويُعدّ هو الهدف الذي من أجله تمّ تشريع الشرائع الإلهيّة وإرسال الأنبياء وإنزال الكتب؛ أي أن يقوم الإنسان بإخراج جميع ما بحوزته من جانبه الظلماني إلى الجانب النورانيّ.. فكلّ ما جرى هو لأجل تحقيق هذا الهدف.
كيفيّة تلبّس الفعل بالجانبين الظلماني أو النوراني
إنَّ مجيئنا إلى هذه الدنيا لم يكن باختيارنا، فقد جيء بنا إلى هذه الدنيا... نعم، يبقى أنّ البحث عن هذا الموضوع هو بحث آخر لا نريد أن نخوض فيه، فلنبحث الموضوع في مستوى أدنى؛ فمجيئنا لم يكن باختيارنا وهذا هو المقدار الثابت والمسلّم به، ومنذ اللحظة التي وردنا فيها هذا العالم، فُتح لنا ملّف خاصّ بوجودنا، وأخذنا نطوي صفحاته الواحدة تلو الأخرى، حيث إنّ لكلّ يومٍ من الأيام ملفّه وصفحته الخاصّة به. فبالنسبة لهذا اليوم الذي هو يوم الجمعة، الثاني والعشرون من شهر شعبان، فقد جعل الله لنا ملفًّا وصحيفةً خاصّة به؛ فكُتب في صحيفة يوم الجمعة الأعمال التي ستقوم بها منذ نهوضك من الفراش وحتّى تخلد إلى النوم والراحة ليلاً؛ فالأعمال التي تُنجز وفقًا لرضا الله تكون نورانيّةً، وتلك المخالفة لرضاه تكون ظلمانيّة؛ بدءًا من حديثك مع الزوجة والأطفال والجيران، وجميع حركاتك وسكناتك. فعند خروجك من المنزل قاصدًا محلّ بيع الخضار، وقيامك بانتقاء الفاكهة الجيّدة وبدون أن يراك صاحب المحلّ، سيكون لهذا الكيلوغرام من التفاح الذي اشتريته جانب ظلماني؛ فعندما لا يكون صاحب المحلّ راضيًا بالانتقاء، فلا يجوز لك الانتقاء؛ وإن أردت الانتقاء، فاذهب إلى محلٍ آخر يُجيز لك ذلك. أمّا إن اشتريت من الأوّل وقمت بالانتقاء عندما يُدير رأسه إلى الجانب الآخر، فسيكون هذا الكيلوغرام الذي اشتريته ظلمانيًّا.. انظروا إلى دقّة المسألة وحساسيّتها!
ولكنَّك إن اشتريت منه ذلك التفاح [بدون أن تقوم بالانتقاء]، فستتحول تلك التفاحة التي تأكلها إلى نور، وستصبح كلّ واحدة منها نور؛ لأنَّ شراءك منه كان وفقًا للشرط الذي اشترطه والذي وافقت عليه. أمّا صاحب المحلّ الذي يشترط عليك مثل هذا الشرط، فهل هو يشترط نفس الشرط على الآخرين أيضًا؟ أم أنَّه يشترطه عليك أنت فقط؟ فإن كان يفعل ذلك مع الجميع، وذلك بأن يقوم بإفراغ ما في الصندوق من فاكهة، ثم يقول: خذوا منه على ما هو عليه كبيره وصغيره، سالمه ومسوّسه، ويقوم بتطبيق ذلك على الجميع، فلا بأس بهذا النوع من التعامل؛ أمّا إن سمح لصديقه بالانتقاء، فسيُصبح جميع ما في السلّة من فاكهة ظلمانيّ بالنسبة له، ونور بالنسبة إليك.. أتُلاحظون؟ فالشيء هو نفس الشيء، فهي ذات التفّاحة أو البرتقالة أو أيّة فاكهة أخرى، ولكنَّها تأخذ جانبين؛ فهي من ناحيتك تلتحق بعالم النور والبهاء والبهجة وستمتلك جميع ما لها من خصائص وآثار، وأمَّا بالنسبة إلى البائع، فكلُّ ما يربحه من بيعه هذا سيسبِّب له النكبة ويجرّ عليه الوبال.
