
ماهي حقيقة النورانيّة والظلمانيّة في فعل الإنسان؟
في أي مرتبة يتحدّد الجانب الظلماني أو النوراني للفعل؟ كيف يتلبّس الفعل بجانبه الظلماني أو النوراني؟ ما هو تأثير أفعال الإنسان الظلمانيّة على وجوده ومصيره؟ وماهي الأفعال التي تؤثّر في نورانيّة الفعل وظلمانيّته؟هي أسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى لمعالجتها. ثم ختم بذكر بعض التوصيات للاستعداد لدخول شهر رمضان وكيف لنا أن نزداد فيه نورانيّة؟ متطرّقًا في ضمن ذلك إلى مجموعة من التساؤلات والمواضيع الأخرى.
ماهي حقيقة النورانيّة والظلمانيّة في فعل الإنسان؟
5ففي الوقت الذي فرض فيه رسول الله غسل الجمعة وسواء كان ذلك في برد الشتاء أو حرّ الصيف أو في فصل الخريف أو عند نزول المطر ـ فقد تمّ التأكيد الشديد عليه في جميع الأحوال، ولا بدّ من الإتيان به ـ نجد عبد الله هذا يُعرض عن هذا الغسل ليقوم بدلاً عن ذلك بالتجوال في الشارع والتفرّج على الأشجار والساحات الخضراء والحشائش والأعشاب؛ فتراه يتفرّج على الأعشاب ويستمتع بالهواء اللطيف ويُرجِّح هذا الفعل على ما أوصى به رسول الله، فيفتتن وينبهر بهذه المناظر ويُجذب إليها بأكثر مما يُجذب إلى المبادئ والعمل بالأوامر؛ ولذا، تراه يتخلّى عن المطالب الحقيقيّة ويذهب بذلك الاتجاه.. فهل يستطيع مثل هذا الشخص أن يضع نفسه في الموقف الذي يُمكنه فيه لجم فم ميوله النفسانيّة بحيث يتمكّن من السيطرة عليها والمحافظة على استقامة نفسه والحيلولة دون ميلها يمينًا أو شمالاً في تلك المواقف التي تُؤدّي للانحراف والاعوجاج؟ لا يمكن له ذلك بالطبع!
ولهذا، يُشاهد تواجد أفراد من هذا القبيل لفترة من الزمن في مجالس العظماء، حتّى إذا ما أصبحت الظروف مواتية لتلك الميول النفسانيّة، تراهم ينحازون جانبًا عن هذا المسير، وبعد أن تمضي عدة سنوات وتتغيَّر مجاري المياه ويصل صوت قرع طبول الفضائح إلى أعلى الأفلاك، يتذكّرون ما كانوا عليه ويفكّرون في مواصلة السير في الطريق الذي كانوا يسلكونه؛ فيظهرون في الساحة مرة أخرى، لتعود بذلك عبارات: «السلام عليكم، وصبّحكم الله بالخير، وأنا مشتاق إليكم يا سيدي»، بالتردّد من جديد.. كيف غبت هذه السنوات العديدة مع ما أنت عليه من الاشتياق؟! إنَّ وراء هذا الغياب سبب كامن، ألا وهو انجراف النفس وانجرارها وراء المغريات التي تجتذبها عادةً، حتّى إن حصل ما حصل وتبدّلت الأمور مع مرور الأيّام بواسطة تقدير المقدِّر وتدبير مُدبِّر العالم، يعود الرجل ويتواجد من جديد؛ ومرّة أخرى، وبعد مرور سنة أو سنتين، يظهر صوت آخر من مكان ما، وتُعاد الكرَّة من جديد، فيسير الرجل بذلك الاتّجاه.
إنّ هذا النوع من الأشخاص لو عمّروا في الدنيا عمر نوحٍ عليه السلام بل لو عمّروا مليون سنة، لما برحوا مكانهم الذي هم فيه؛ فلا يمكن لهم التقدّم في المسير ولو لسنتمترٍ واحدٍ، ولا يمكن أن يُضاف إلى نفوسهم أيّ كمالٍ ولا يحصل لهم أيّ رقيّ أو تجرّد ولا يُضاف إلى معلوماتهم شيئًا ولو بالمقدار اليسير؛ فهم محبوسون في ذلك الإطار المحدود من التفكير، ولا يمكن لهم أن يدفعوا بأنفسهم نحو الحركة؛ لأنَّهم لا يستثمرون عقولهم، ولا يعملون على إنارة ذلك المصباح الذي جعله الله في النفس ليستفيد منه الإنسان في تلك الأيّام التي يُنادى فيها بـ : "وا نفساه". فيظلّون محبوسين في تلك المرتبة من الجهل والتعصّب ومشغولين بممارسة المسائل التافهة التي تشبه لعب الأطفال، ولا يستطيعون الخروج من ذلك السجن؛ وهكذا يمضون أعمارهم حتّى مغادرتهم للدنيا.
