
ماهي حقيقة النورانيّة والظلمانيّة في فعل الإنسان؟
في أي مرتبة يتحدّد الجانب الظلماني أو النوراني للفعل؟ كيف يتلبّس الفعل بجانبه الظلماني أو النوراني؟ ما هو تأثير أفعال الإنسان الظلمانيّة على وجوده ومصيره؟ وماهي الأفعال التي تؤثّر في نورانيّة الفعل وظلمانيّته؟هي أسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى لمعالجتها. ثم ختم بذكر بعض التوصيات للاستعداد لدخول شهر رمضان وكيف لنا أن نزداد فيه نورانيّة؟ متطرّقًا في ضمن ذلك إلى مجموعة من التساؤلات والمواضيع الأخرى.
ماهي حقيقة النورانيّة والظلمانيّة في فعل الإنسان؟
21السرّ في عفو أمير المؤمنين عليه السلام عن عمرو بن العاص
ولقد قلت لكم بأنَّني بقيت أفكّر في هذا الموضوع لمدّة ثلاث ساعات، ولم أصل في تفكيري إلى أيّة نتيجة، فقطعت سلسلة أفكاري وتخلّيت عن التفكير فيه وعن حقيقة الأمر هنا، وعن ما هي تلك العظمة التي نعجز عن إدراكها؛ فكم هو مقدار الكرم الذي يمتلكه أمير المؤمنين! وكم هو من عظيم، بحيث تعمل عظمته على تحطيم عقولنا وفهمنا، ولا تسمح لهذا العقل من إدراكها! أي إنَّنا نتحطّم ونتلاشى ولا نتمكّن من إدراك تلك العظمة؛ فما هي حقيقة ذلك الحياء؟ وما هو الشعور الذي كان ينتابه في ذلك الموقف؟
دعوني أبوح لكم بسرٍّ هنا، ولقد أخبرتكم بعدم تمكّن عقلي من إدراك ما حصل! حيث وصلت إلى هذه النتيجة ولم أتمكّن من الاستمرار؛ ولا شكّ من وجود تفسير أعلى من هذا، ولكنَّنا نعجز عن إدراكه. فالذي توصّلت إليه هو: إنَّ الرجل عندما فعل ما قد فعل فهو إنَّما يقول بفعلته تلك: أنا أطلب منك الحياة يا علي! فكان شعور أمير المؤمنين تجاهه في تلك اللحظة شعورًا أبويًّا؛ فرأى لزامًا عليه أن يُعيد إليه الحياة، ولم يشعر بأنَّ أمامه عدوّ يقوم بهذا الفعل، فعليه أن يضربه ويقطّعه إربًا إربًا..... فلو كنَّا مكان أمير المؤمنين، لفعلنا ذلك: فأنت من ناحية عدّو الله ، ومن ناحية أخرى، أنت ترتكب عملاّ محرّمًا! فهذا مما يُضاعف جرمك، ويجعلك تستحقّ العقاب المضاعف! غير أنَّ ذلك الشعور الذي حصل لأمير المؤمنين في ذلك الموقف، ومشاهدة إظهاره للعجز، وإحساسه بالعطف تجاهه هو الذي حجزه عن ضربه، وإن كان الرجل عدوًّا له؛ وهذا ممّا لا يمكن لنا إدراكه! فلا يمكن إدراك كنه هذه الأمور ببساطة، ولا يمكن فهمها عاجلاً!
يقول المرحوم العلاّمة: عند تأليفي لكتاب معرفة الإمام، ووصولي إلى القضايا والجنايات التي وقعت في فترة الخليفة الثاني عمر، كان من جملة ما وقع هذه القضيّة: فكانوا قد جلبوا امرأة حامل ادّعى زوجها بأنَّها قد زنت؛ وكانت المرأة بريئة وعفيفة، ونفت عن نفسها تهمة الزنا، غير أنَّ الزوج كان يصرّ على اتّهامها؛ فأين هم الشهود؟! فعلى من يتّهم أحدًا أن يجلب الشهود.. ألم تعلم أيّها الخليفة الثاني بلزوم شهادة أربعة شهود؟! وكيف يمكن أن يحصل شيء كهذا في العالم بحيث يتمكّن أربعة أفراد من مشاهدته؟ اللهمّ إلاّ إن جرى ذلك على سبيل الاستعراض وعلى تلٍّ أمام عشرة آلاف كاميرا! فلِمَ يُطلب شهادة أربعة شهود في هكذا حالة؟ إنَّ ذلك يعود إلى مراعاة الشارع المقدّس لجانب الرحمة والعطف تجاه المخطئين والغافلين والجهلة! ألم تشاهد أو تسمع بذلك يا عمر؟ وألم تشاهد بنفسك سيرة النبيّ الأكرم وكيفيّة تعامله في المواقف المختلفة؟ فتقوم بقتلها بهذه البساطة وبمجرد ادّعاء زوجها ذلك، وإن كانت هي تنفي عن نفسها التهمة! فشاهد المتواجدون هناك ما ينوي أولئك فعله، فذهبوا إلى أمير المؤمنين يُخبرونه بعزم القوم على قتل امرأة بريئة هكذا وبهذه السهولة، وأنَّ ذلك يحصل على يد خليفة رسول الله!! وبواسطة حكومة الخليفة الثاني الإسلاميّة! فنهض أمير المؤمنين وارتدى ثيابه وذهب مسرعًا، وعندما وصل، وجد كلّ شيء قد انتهى؛۱ فكيف كان حاله في ذلك الوقت؟ يقول المرحوم العلاّمة الذي هو تلميذ أمير المؤمنين، والذي إن كان لديه فهم أو إدراك لأمر أو وضوح رؤية، فإنّه حصل عليه من هناك.. يقول: لقد بكيت لمدّة أربع ساعات متواصلة عندما قرأت هذه القضيّة في أحد الكتب، وكان منظر سقوط هذه المرأة البريئة على الأرض بعد ضربها من قبل الجلاّد يتراءى أمام عيني؛ ألم يكن لتلك المرأة البريئة أطفال؟ ألم يكن لها أم أو أب؟ نعم، لقد بكيت أربع ساعات.
- تجدر الإشارة إلى أنّ القضيّة التي حصلت مع عمر لم تُؤدّ لرجم المرأة، حيث إنّهم أدركوها قبل ذلك، وأمّا المسألة التي أفضت إلى قتل المرأة، فهي التي وقعت على عهد عثمان؛ راجع: كتاب معرفة الإمام، ج۱۱، من ص ۱۸٤ ص ۱۸۸. [المترجم]
