
ماهي حقيقة النورانيّة والظلمانيّة في فعل الإنسان؟
في أي مرتبة يتحدّد الجانب الظلماني أو النوراني للفعل؟ كيف يتلبّس الفعل بجانبه الظلماني أو النوراني؟ ما هو تأثير أفعال الإنسان الظلمانيّة على وجوده ومصيره؟ وماهي الأفعال التي تؤثّر في نورانيّة الفعل وظلمانيّته؟هي أسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى لمعالجتها. ثم ختم بذكر بعض التوصيات للاستعداد لدخول شهر رمضان وكيف لنا أن نزداد فيه نورانيّة؟ متطرّقًا في ضمن ذلك إلى مجموعة من التساؤلات والمواضيع الأخرى.
ماهي حقيقة النورانيّة والظلمانيّة في فعل الإنسان؟
18ولهذا، فقد منَّ الله علينا في شهر رمضان، حيث جعل ليلة قدرنا وتحديد مصيرنا المستقبلي في هذا الشهر، ولم يجعله في شهر رجبٍ أو شعبان، ولا في شهر ذي الحجّة أو في شهر محرّم أو صفر، بل جعلها في شهر رمضان، فقال: عليك الصيام حتّى تصل إلى ليلة القدر؛ فلو أنَّ الله كان قد جعل ليلة القدر في الخامس عشر من رجبٍ على سبيل المثال، وهو لم يفرض صيام شهر رجب، فسيصوم بعض الناس ولا يصوم البعض الآخر؛ لأنّ للصيام شروطه الخاصّة به، حيث على الصائم الامتناع وكفَّ النفس وحفظها عن الكثير من الأمور، فيتمّ الشعور بحصول حالة من التجرّد والنورانيّة واللطافة والصفاء في نفسه؛ فلو أنَّ الله قد جعل ليلة القدر هي ليلة الخامس عشر من رجب، وقال: «من شاء أن يصوم فليصم، ومن لم يشأ فلا يصوم»، فلن يصوم الكثير من الناس، وسيقضون ليلة القدر كبقيّة الليالي الأخرى من دون أن تختلف عنها في شيء؛ ولذا، فقد جعل الله ليلة القدر في شهر رمضان، بل وجعلها ليلة الثالث والعشرين منه؛ وهذا يعني بأنَّك قد صمت إثنين وعشرين يومًا لحدّ الآن، فستكون بجلوسك على هذه المائدة في هذه الإثنين والعشرين يومًا قد تخلّيت عن الأخطاء والزلاّت التي ارتكبتها سابقًا؛ فإن كنت تتعامل بخشونة مع الآخرين، فقد تطهّرت منها بعض الشيء خلال هذه الإثنين والعشرين يومًا، وإن كنت تغتاب الآخرين وتمضي أوقاتك باللعب واللهو، فقد حصل لك تغيّر وتبدّل في هذه الإثنين والعشرين يومًا. فلهذه الأسباب، ترى الله يجعل ليلة القدر ليلة الثالث والعشرين من الشهر المبارك؛ وذلك لكي ندرك ليلة القدر ونحن مستعدّين لها، ونكون قد وثّقنا علاقتنا بالله خلال هذه الإثنتين والعشرين يومًا، وأحكمنا ربط أنفسنا بحبل الله المتين، واستحصلنا في أنفسنا ذلك الصفاء النفسي اللازم لاستفاضة لطف الله وكرمه علينا؛ وحينئذ، إن أراد الله أن يُعيِّن مصيرنا للسنة القادمة في مثل هذا الوقت ووفقًا للحال الذي نحن عليه من الصفاء وطبقًا لاختيارنا وسعة قلوبنا ومقدار تقبّلنا، فسيختلف الأمر كثيرًا عمّا إن جرى ذلك بشكل عشوائي وعفوي، وذلك بأن يُمضي المرء أيّامه بشكل عادي، ليقول له الله دفعة واحدة بأنَّ ليلة قدرك ستكون بعد ليلتين! فيكون قد أمضى أيّامه بأيّ نحوٍ كان، وارتكب كلّ ذنب، وجال بصره في كلّ مكان، واستمعت أذنه لأيّ صوت، وجرى على لسانه أيّ كلام، ووطأت قدمه أيّ مكان، وتعلّق قلبه بكلّ شيء، ثم يقول له الله: ستكون الليلة القادمة هي ليلة قدرك؛ فسيكون الأمر هنا نظير ما إن قيل لطالب: سيكون يوم غد هو يوم الاختبار! فمن المؤكّد بأنَّه سيقول: كان يجب عليكم أن تخبروني قبل شهر من الزمان على أقلّ تقدير لكي أستعدَّ له؛ فإخباركم إيّاي بالأمر في هذا الوقت المتأخّر هو مساوق لمنحي شهادة الفشل في الامتحان، وذلك لعدم استعدادي له.
