
ماهي حقيقة النورانيّة والظلمانيّة في فعل الإنسان؟
في أي مرتبة يتحدّد الجانب الظلماني أو النوراني للفعل؟ كيف يتلبّس الفعل بجانبه الظلماني أو النوراني؟ ما هو تأثير أفعال الإنسان الظلمانيّة على وجوده ومصيره؟ وماهي الأفعال التي تؤثّر في نورانيّة الفعل وظلمانيّته؟هي أسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى لمعالجتها. ثم ختم بذكر بعض التوصيات للاستعداد لدخول شهر رمضان وكيف لنا أن نزداد فيه نورانيّة؟ متطرّقًا في ضمن ذلك إلى مجموعة من التساؤلات والمواضيع الأخرى.
ماهي حقيقة النورانيّة والظلمانيّة في فعل الإنسان؟
14فجميع ذلك يا عزيزي هو بسبب ارتكاب الحرام.. {مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَميعاً وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَميعاً}۱.. فكم هو التفاوت بين الحالتين!
وهذه المسألة تعكس الارتباط الموجود بين الحقائق المختلفة في عالم الوجود، وكيف أنَّ مصير ذلك الرجل الذي يسير الآن في أحد شوارع المدينة كذا الواقعة في البلد كذا في القارّة كذا، والذي تم التعدِّي عليه، مرتبط في عالم الوجود بمصيري أنا الجالس هنا والذي أتحدَّث إليكم الآن، كما أنَّ جميع الحاضرين في هذا المكان مرتبطين ومتّصلين مع بعضهم البعض الآخر. فالعمل الباطل يستولي على النفس، فتفقد النفس ـ نتيجةً لذلك ـ الجانب العقلائي والنورانيّ وبشكل تدريجي، وتحلّ محلّه القسوة وبشكل تدريجي أيضًا، حيث إنّ نفس الإنسان لا تصبح قاسية بين ليلة وضحاها؛ فإن ارتكب أحدهم جناية، فسوف لن يمرَّ عليه الأمر بشكل عادي بحيث ينتابه الضحك والسرور، بل تراه يلوم نفسه ويندم على ما فعل، وهو يقول: ليتني لم أخرج من المنزل هذا اليوم حتّى أبتلى بهذا الأمر.. ألا يحصل لنا هكذا حال عندما نرتكب معصية ما؟ ألا يحصل لنا الندم؟ فلو كان فعلنا صحيحًا، لما كان مدعاة للندم! ولو لم يكن به ضير، فلا مجال للندم حينئذٍ. فإن لم يكن العمل خاطئًا، فسوف لن تترتّب عليه أيّة تبعات، فلِمَ يندم الإنسان إذًا؟ ولو كان عمله مبنيًّا على حُجّةً شرعيةً، فلماذا يندم؟ ولماذا تلومه نفسه على ما فعل؟ لأنَّ ملامة النفس لا تتوافق مع كون العمل مبنيًّا على حجةٍ شرعيةٍ؛ فلو كان عمله متوافقًا مع الحجّة الشرعية، لما لامته نفسه ولما أنَّبه ضميره، لكن عند حلول اليوم التالي، يقوم هذا الرجل بتكرار نفس الجناية، فتلومه نفسه أيضًا، غير أنّ الملامة ستكون أقلّ في هذه المرَّة من سابقتها؛ وهكذا يتكرّر الأمر معه في اليوم الثالث والرابع، حتّى يصبح الأمر طبيعيًّا لديه بشكل تدريجي!
نقرأ في كتب التأريخ كيف أنَّ حكّام المغول الجائرين كانوا يتفرّجون على كيفية ضرب أعناق المئات من الناس أمامهم، وهم مشغولين بشرب كؤوس الخمر الواحد تلو الآخر، ويضحكون بشكل جنوني، بحيث تصل أصوات قهقهتهم المعربدة إلى عنان السماء؛ فكيف يمكن أن يحصل ذلك؟ إنَّ النفس يمكن أن تصل إلى درجة من الشقاء بحيث تتلذّذ من ارتكاب أشنع الأعمال التي يمكن تصوّرها! فلا يقتصر الأمر لديهم على عدم الشعور بالندم والخجل عمّا يفعلونه، بل ويتلذّذون بما يفعلونه بالآخرين! ويمرض أحدهم ويصبح طريح الفراش إن مضى عليه يومان دون أن يفعل ذلك. ومن أجل إعادته إلى وضعه السابق، يأتون لإنهاضه ويقولون له: ها قد وصل قوتك اليومي، فعليك أن ترسل مجموعة من أتباعك إلى كذا ناحية، وتفعل كذا وكذا! لماذا يحصل مثل هذا؟ ولماذا ابتلي بني البشر بهذا البلاء؟ ولماذا ابتلي الإنسان بهذا المرض المهلك؟! لماذا؟ لأنَّه لم يستجب إلى نداء عقله وضميره، ففعلت تلك الجنايات فِعلَها وتركت آثارها الواحدة تلو الأخرى على نفسه، وأزالت الجناية الأولى مقدار من النورانيّة التي كان يمتلكها وحلّت محلّها الظلمة، وجاءت الجناية الثانية، فأزالت مقدارًا آخر؛ وهكذا حتّى أُزيلت النورانيّة من وجوده بالكامل وصارت نفسه نفسًا ظلمانيّة، فأصبح بذلك مصداقًا للآية: {خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظيمٌ}٢. فلمّا ختم الله على قلبه، لم تبق فيه بذلك أيّة نافذة للنور، وانقطع توجّه عقله نحو الحقّ؛ فلا يمكن لأذنه والحال هذه أن تستمع لنداء الحقّ، وإن جاءه أحدهم وتكلّم بكلام حقّ أمامه، تراه ينهره بشدّة ويطرده وهو يقول: لا طاقة لي لسماع مثل هذا الكلام! على أنَّ حاله لم يكن على هذه الشاكلة قبل خمس سنوات، بل كان يدعو الآخرين بنفسه للتقصّي عن المسائل.. لِمَ يحصل هذا؟ ولماذا ينتكس الإنسان من مرتبة عالية إلى مرتبةٍ أدنى؟ إنَّ كلّ ذلك هو بسبب التأثير المثالي، حيث يعمل ذلك الأثر المثالي والملكوتي للشقاء والتعاسة على تبديل نفسه من نفسٍ نورانيّةٍ إلى نفسٍ ظلمانيّةٍ؛ فتعمل تلك النفس الظلمانيّة بدورها على تبديل العقل إلى قوة شيطانيّة لا تُجيد سوى المكر والخديعة.
- سورة المائدة (٥)، جزء من الآية ٣٢.
- سورة البقرة (٢)، الآية ۷.
