
ماهي حقيقة النورانيّة والظلمانيّة في فعل الإنسان؟
في أي مرتبة يتحدّد الجانب الظلماني أو النوراني للفعل؟ كيف يتلبّس الفعل بجانبه الظلماني أو النوراني؟ ما هو تأثير أفعال الإنسان الظلمانيّة على وجوده ومصيره؟ وماهي الأفعال التي تؤثّر في نورانيّة الفعل وظلمانيّته؟هي أسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى لمعالجتها. ثم ختم بذكر بعض التوصيات للاستعداد لدخول شهر رمضان وكيف لنا أن نزداد فيه نورانيّة؟ متطرّقًا في ضمن ذلك إلى مجموعة من التساؤلات والمواضيع الأخرى.
ماهي حقيقة النورانيّة والظلمانيّة في فعل الإنسان؟
10كان أمير المؤمنين راكبًا بغلة، فوصل مسجدًا، فأراد دخول المسجد للصلاة أو لأمر آخر، وكان هنالك رجل واقفًا بباب المسجد؛ فقال له أمير المؤمنين: أمسك البغلة حتّى أدخل المسجد. فقال الرجل في نفسه: هذا أمير المؤمنين وهو يختلف عن غيره، وسوف لن يتعقّبني، فأخذ اللجام أو السرج وهو يقول: وهل سيراني بعد هذا اليوم؟ فخرج أمير المؤمنين ووجد البغلة أو الحصان بدون سرج، فقال لأحد أصحابه خذ هذا المبلغ وهذه الدراهم الثمانية واشتر بها سرجًا لهذه البغلة؛ فذهب الرجل ورأى سرجًا معروضًا للبيع، فاشتراه؛ فعندما نظر إليه أمير المؤمنين قال: هو نفس السرج الذي كان على البغلة، ولقد كنت ناويًا على إعطاء هذه الدراهم الثمانية لذللك الرجل، غير أنَّه لم يشأ أن يأكلها حلالاً، فأعطاه الله تعالى إيّاها عن طريق الحرام۱.
فتلك الدراهم الثمانية التي دفعها أمير المؤمنين لم تكن ظلمانيّة، لأنّه مضطرّ لتهيئة سرج للبغلة أو الحصان؛ وما يأخذه ذلك الرجل هي تلك الدراهم الثمانية عينها، وهو يأخذها من أمير المؤمنين.. من أفضل خلق الله، غير أنَّها أصبحت سببًا في جلب الوبال والتعاسة والجهل له، وستكون لها تبعات أخرى أيضًا.
ولا يخفى أنّ هذا هو ما نلمسه بحسب الظاهر، وأمّا ما يتعلّق بالأولياء والعظماء والأئمّة، فلا نستطيع نحن أن نخوض في مثل هذه المسائل؛ فما ذكرناه هو ما نشعر به وندركه.
فبناءً على هذا، يكون لجميع الأعمال التي نقوم بها جنبتين: جنبة نورانيّة وجنبة ظلمانيّة، وكلّ عمل نقوم به يترك له أثرًا على أنفسنا؛ فإن قام المرء بعمل خير، ترك ذلك العمل أثره الإيجابي على النفس، فما هو هذا الأثر الذي يتركه العمل الذي يقوم به الإنسان؟ إنَّ أثره هو تبدّل النفس ـ من حيث ارتباطها بالمقام الربوبي ـ إمّا إلى عالم من النور والبهاء والبهجة، أو إلى الظلمة والكدورة والقساوة. ويستطيع الإنسان معرفة ذلك بنفسه؛ فعندما يتعامل مع رجل ما، يشعر بالراحة والاطمئنان في نفسه، وعندما يتعامل مع آخر وعلى الرغم من تحقيقه ربحًا في تلك المعاملة التجاريّة، غير أنَّه يقول في قرارة نفسه: لو كنت مكانه لما رضيت بتلك الصفقة، فأنا نفسي لا أحبّ أن يتعامل معي أحد بهذه الطريقة؛ فتبدأ نفسه بملامته، ويشعر بالضيق والكآبة من تلك المعاملة التي قام بها ويثقل عليه ذلك.. فالسبب في ذلك الضيق والثقل يعود إلى ما ذكرنا.
- وردت هذه القصّة في شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج ٣، ص ۱٦۰ بهذا النحو: دخل علي عليه السلام المسجد و قال لرجل: أمسك على بغلتي، فخلع لجامها و ذهب به، فخرج علي عليه السلام بعد ما قضى صلاته و بيده درهمان ليدفعهما إليه مكافأة له، فوجد البغلة عطلا، فدفع إلى أحد غلمانه الدرهمين ليشتري بهما لجامًا، فصادف الغلام اللجام المسروق في السوق قد باعه الرجل بدرهمين، فأخذه بالدرهمين و عاد إلى مولاه، فقال علي عليه السلام: إنّ العبد ليحرم نفسه الرزق الحلال بترك الصبر و لا يزاد على ما قدّر له. [المترجم]
