
الأساس المعنوي للتشريعات الإسلامية
في إطار بحثه عن مسألة الزواج، و بيان أسرار التشريع االإسلامي فيها، تعرّض سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره للبحث عن الأساس الذي تقوم عليه التشريعات الإسلامية، مبيناً كيف أنّ المنهج المعنوي للإنسان يؤثّر على كل جوانب حياته و تصرفاته و علاقاته الاجتماعية، ثمّ عاد ليبين مسألة الزواج بجوانبها و أبعادها . ألقيت هذه المحاضرة أُلقيت صباح الجمعة الثالث عشر من جمادى الأولى لعام 1430 هـ . ق.
الأساس المعنوي للتشريعات الإسلامية
8إنّ كافّة حكومات الجور، وكافة أنواع الظلم التي مورِست عبر التاريخ، و كذلك التي تمارَس الآن، وستمارَس حتّى ظهور الحجّة عليه السلام، إنّما كانت وتكون لأننّا نرفع شعار حماية هذه الأصنام؛ لماذا قتلوا سيّد الشهداء عليه السلام؟ لأنّهم كانوا يقولون: نريد أنّ نحمي هذا الصنم، نريد أن نحافظ على ما نحن عليه؛ ولو أنّ الحسين عليه السلام بايع يزيدَ لسلّمه يزيد الحكومة كلّها: هذا الذي سار في طريقنا، هذا الذي انحاز إلينا، هذا الذي بايعنا، هذا الذي قبّل أيادينا أمام الناس وقال: أنت الخليفة بعد رسول الله عليّ، ولك الولاية عليّ، ولك أن تفعل ما تشاء، فماذا يتمنّى يزيد فوق ذلك؟! هل يرغب بأكثر من ذلك؟ و لو حصل ذلك، لقال للناس حينئذٍ: أرأيتم، ها قد جاؤوا واستسلموا في النهاية، جاؤوا وركعوا بين أيدينا، لقد انتهى كل التهديد الذي لوّحوا لنا به.
ولو تمّت تلك البيعة "لبلغ ارتفاع صنم يزيد إلى مائةٍ وخمسين متراً...!" ولو كان ذلك هو حجمه الطبيعي قبل البيعة لصار بعدها منارة ...! ولو كان منارة لصار "مبنى ذا مائة طابق..." وهكذا يكبر ويكبر حتى يناطح السحاب و"يصل إلى الله" قائلاً له: أنت واحد وأنا واحد، هيّا إلى المبارزة لننظر أيّنا الأقوى !
كان هارون يجلس على عرشه متعالياًـ انظروا إلى أيّ حد كان قد بلغ أمر هذا الصنم- وكان يقول: أيّتها السحب أمطري حيث شئتِ فخراجك يرجع إليّ! انظروا ماذا يقول: أيتها الشمس أشرقي حيث شئت فأنت تحت سلطاني. ما أعظم الفرق بين هذه الحالة التي يعيشها هارون، وبين حالة أمير المؤمنين عليه السلام حين كان يصلح نعله في الحرب كي لا يُفلت من قدمه؟ هذا يقول: أيّتها السحب أمطري حيث شئتِ! أيتها الشمس أشرقي حيث شئت! أيها القمر أضئ حيث شئت! وفي المقابل فإنّ ذاك الذي يخصف نعله بنفسه مع أنّه الحاكم، قد أمات صنمه أوّلاً ثم امسك بالحكم. اقطعْ أولاً رأس هذا الصنم ـ لا صنم في نفس عليّ عليه السلام ليسعى إلى رفع رأسه، أو ليتنفّس، لقد سيطر الله على نفس عليّ مبيداً هذا الصنم، وسواء أعطيَ الحكومة أم لم يعطَها، وسواء تسلّم الحكم آخرون أم تسلّمه هو، وسواء قيل له: هناك من هو أعلم منك أنت يا عليّ رغم كلّ علمك ـ افرضوا ذلك- جاء من هو أعلم منك يا عليّ، أفصح منك، يجيب على أسئلة الناس خيراً منك، وقد اجتمع الناس حوله خير اجتماع؛ فإنّه عليه السلام سيقول حينئذ: جيّد، جاء الأعلم فمرحباً به، وأنا أيضاً أقصده مع القاصدين، وأستفيد منه كما يستفيدون. هذه حال أمير المؤمنين عليه السلام، وأنا أُقسم أنّ أمير المؤمنين لم يكن إلا كذلك، فلو رأى من هو أعلم منه في أيّ بقعة من بقاع الأرض، ولو بكلمة واحدة، لتوجّه إليه، وأقبل عليه، وجلس بين يديه جلسة العبد، ثم راح يتعلّم منه... هذه حالة عليّ عليه السلام، ولكن لم يكن على وجه الأرض من هو أعلم منه، لم يكن هناك من يفوق أمير المؤمنين عليه السلام.
