
الأساس المعنوي للتشريعات الإسلامية
في إطار بحثه عن مسألة الزواج، و بيان أسرار التشريع االإسلامي فيها، تعرّض سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره للبحث عن الأساس الذي تقوم عليه التشريعات الإسلامية، مبيناً كيف أنّ المنهج المعنوي للإنسان يؤثّر على كل جوانب حياته و تصرفاته و علاقاته الاجتماعية، ثمّ عاد ليبين مسألة الزواج بجوانبها و أبعادها . ألقيت هذه المحاضرة أُلقيت صباح الجمعة الثالث عشر من جمادى الأولى لعام 1430 هـ . ق.
الأساس المعنوي للتشريعات الإسلامية
5إنّ هذه المسألة مسألة عجيبة حقاً، وهي واقعاً محيّرة أشدّ ما يكون من حيرة، ولا يمكن لإنسان أن يفهم كُنه الأمر وحقيقته، ما لم يكن هو نفسه يُعايش حال أمير المؤمنين عليه السلام، ولا يمكن للإنسان أن يفهم حقيقة هذا الأمر إلاّ إذا كان قد وصل إلى منبع وأصل المفاهيم الإلهيّة، فصارت نفسه تحت تلك الولاية وبلغت مقام التوحيد والولاية والعرفان، فمثل هذا الشخص يمكنه أن يُفهم ويُدرك ذلك.
ونحن كنّا نرى أمثال هذه المسائل أيّام حياة السيّد الوالد، فكثيراً ما كان يهتمّ ببعض الأمور التي لم يكن لها ـ بنظرنا القاصرـ علاقة مباشرة به، ولم أكن لأوليها أيّ اهتمام، فعلى سبيل الفرض لو وقع أمر من الأحداث اليوميّة العاديّة لأحد الأفراد ولم يكن لسماحته علاقة بالمسألة أصلاً، بحيث لم أكن أنا لأهتمّ بالمسألة بل أعتبرها عادية، ولو مرّ بعض الوقت، لقلت: قد انقضى وقتها ولا داعي لمتابعتها بعد ذلك، بينما كان ـ رضوان الله عليه ـ يكتب ملاحظة في دفتره الخاص حول تلك المسألة، ومن ثمّ كان يستدعيني، ويطلب منّي أن أذهب وأحقّق في المسألة متابعاً لها حتى النهاية، فلا أدعها حتّى أحضر الجواب له، وما كان ليشطب تلك الملاحظة، التي دوّنها سابقاً، من دفتره حتى يتأكّد أننّي ذهبت وأدّيت المهمّة التي كلّفني بها كما طلب منّي بالضبط.
وأحياناً كنت أتأخّر في إحضار الجواب له يوماً أو يومين، وكنت أنظر في الدفتر لأرى هل شطب الملاحظة أم لا، فكنت أرى أنّه لم يشطبها بعد، وعندما أخبره بالجواب، فقد كان يقول لي: "لماذا لم تخبرني بذلك قبلاً؟ فطالما أنّ هذه الملاحظة موجودة في الدفتر، فإن ذهني يبقى مشغولاً "، يعني: لأنّني قد تسامحت وتأخّرت بإخباره بالنتيجة ليوم أو يومين فقد تسببت بانشغال ذهنه.
فالخلاصة: إنّ طريقة تعامله مع الأمور كانت مختلفة، فلم يكن ليرضى أن يكلّفنا بمهمّة ثم ينسى الأمر، بل كان يكتب الملاحظة، ويطالبنا أن نُحضر له نتيجة المسألة ليتأكّد أنّها قد تمّت كما أراد، وعند ذلك فقط كان يشطبها من الدفتر، أمّا لو لم تتمّ بالشكل الصحيح، فإنّه كان يقول: "اذهب مرة أخرى، و أدّ العمل بشكل صحيح، و تمّم النقص الذي فيه"، ولم يكن يقبل منّا لو أدّينا العمل بشكل مخالف لما طلبه منّا سواء بالزيادة أو النقص، بل كان يقول: "يجب أن ترجع بنفسك وتصلح ما أفسدته"، فكنّا نذهب ونقوم به كما أمر وعندما نخبره بذلك، حينئذٍ كان يشطب الملاحظة من الدفتر.
