
الأساس المعنوي للتشريعات الإسلامية
في إطار بحثه عن مسألة الزواج، و بيان أسرار التشريع االإسلامي فيها، تعرّض سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره للبحث عن الأساس الذي تقوم عليه التشريعات الإسلامية، مبيناً كيف أنّ المنهج المعنوي للإنسان يؤثّر على كل جوانب حياته و تصرفاته و علاقاته الاجتماعية، ثمّ عاد ليبين مسألة الزواج بجوانبها و أبعادها . ألقيت هذه المحاضرة أُلقيت صباح الجمعة الثالث عشر من جمادى الأولى لعام 1430 هـ . ق.
الأساس المعنوي للتشريعات الإسلامية
3فلو فرضنا أن ولدين صغيرين كانا يلعبان معاً، وكلاهما طفلان صغيران، وكلاهما بريء لا يقصد الأذى، فالأطفال لا يصدر منهم تقصير، إذ أنّ التقصير يُحتمل صدوره من الشخص الذي يتصرف عن تأمّل وتفكّر واختيار؛ أمّا ذانك الطفلان ذوا الخمس أو الست سنوات فإنّهما يلعبان ويتحركان بشكل تلقائيّ دون تأمّل و رويّة وتخطيط مسبق، و لذا فمثل هذين الطفلين قد يكسران كأساً أو نافذة أثناء لعبهما، أو قد يخرّبان شيئاً ما دون قصد.
و هنا نرى أنّ بعض الأشخاص يتعامل مع هذا الطفل بشكل خاص مِلؤه التفهّم والعطف إذا كان الطفل الذي قام بالكسر والتخريب هو ابنه؛ أمّا إذا كان الذي قام بذلك هو ابن الجيران، أو ابن شخص لا تربطه معه علاقة مودّة، فإنّه يثور ويغضب و بدأ بالسبّ والشتم قائلاً: ما أسوأ تلك العائلة، فنحن لم نرَ منهم إلاّ كلّ شرّ وأذى... هذا الشخص وأولاده قد عكّروا صفو حياتنا، وجعلوها جحيماّ لا تطاق...
المنهج الصحيح لكيفيّة تأسيس الإنسان لتصرفّاته
يا عزيزي، ليس لهذا الطفل أي ربط بعلاقتك مع أهله، كما أنّه لا فرق بين تصرّف هذا الطفل وذاك الطفل (ابنك)، فكلاهما عمره خمس سنوات، وكلاهما كانا يلعبان، وقد صدر من كليهما نفس التصرّف. إنّ هذه النقطة مهمّة جدّاً، وهي كيفيّة تأسيس الإنسان لأفعاله و تصرّفاته على الأسس، و المباني العقلائيّة والمنطقيّة، لا على الأسس والمصالح الماديّة والظاهريّة. ونحن في هذه الأيّام نرى - للأسف- أنّ المعيار الحاكم في الكثير من مجتمعاتنا، حتّى المجتمعات الدينيّة منها، بات المعيار ماديّ ظاهريّ.
وكما بينّا في الجلسة الماضية، فإنّ حقيقة المادّية هي أن يكون تفكير الإنسان ونظرته للأمور قائماً على أساس المادّة والروابط المادّية، وعلى كون الشخص قريباً لي أو بعيداً عنّي. لا على أساس المنطق والواقع وحقيقة الأمر. وتبعاً لذلك، ستتشكل تصرّفات الإنسان وأفعاله وأقواله وعلاقاته الاجتماعية، حتّى ينتهي به الأمر - في كثير من الأحيان- نهاية قبيحة ومذمومة جدّاً...، في حين أنّنا نجد أنّ المسألة تأخذ شكلاً آخر في منظار أهل التوحيد وأتباع الأديان الإلهية، فجميع الأمور عندهم تدور مدار المباني العقلانيّة والمنطقيّة والإلهيّة، كما أنّ الأحكام التي يصدرونها إنّما تصدر بناءً على الجنبة الروحيّة والإلهيّة، لا على أساس الجنبة الماديّة؛ ففي أحكام أهل التوحيد لا مكان لقريبٍ أو بعيد، فهذا النوع من الأحكام التي تصدر على أساس القرب والبعد الشخصيّ، لا على أساس الواقع والحقّ، ليس إلاّ حكم الكفر والشرك، وهو حكم أهل الإلحاد والزندقة، أمّا في مدرسة الإسلام فالمسألة ترجع إلى الإيمان؛ فإذا وُجد الإيمان في شخص غريب، صار في منظار الإسلام قريباً، وإذا لم يوجد الإيمان في قلب الشخص القريب فهو غريب في نظر الإسلام.
