
الأساس المعنوي للتشريعات الإسلامية
في إطار بحثه عن مسألة الزواج، و بيان أسرار التشريع االإسلامي فيها، تعرّض سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره للبحث عن الأساس الذي تقوم عليه التشريعات الإسلامية، مبيناً كيف أنّ المنهج المعنوي للإنسان يؤثّر على كل جوانب حياته و تصرفاته و علاقاته الاجتماعية، ثمّ عاد ليبين مسألة الزواج بجوانبها و أبعادها . ألقيت هذه المحاضرة أُلقيت صباح الجمعة الثالث عشر من جمادى الأولى لعام 1430 هـ . ق.
الأساس المعنوي للتشريعات الإسلامية
24لنفترض الآن أنّ أحد الأشخاص قال في حقك كلاماً في مكان ما، اذهب ولا تلتفت، لقد أخطأ، كان حاله سيّئاً، كان غضباناً، أمّا أنت فلست بغاضب، وحالك الآن جيّدة، أنت الآن هاديء ومرتاح، فلماذا تقابله بالمثل فيقوم هو بعد ذلك بالردّ، فينتج لدينا في الأخير "دور باطل"، بل{ادْفَعْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ}، قم بما هو الأحسن لا المساوي، لا تتصرّف بشكل مساوٍ وإلاّ لصِرتَ مثله، فلو قابلت الإساءة بالإحسان، هل تعلم ما ستكون النتيجة؟ {فَإِذَا الَّذي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَميمٌ} نتيجة ذلك: أنّ ذاك الذي بينك وبينه عداوة سيتحوّل إلی صديق ورفيق شفيق لك، حميم يعني شفيق، وفيّ ومُخلص جدّاً، الحميم هو بمنزلة المُخلص، نعم، سيتحوّل ذلك العدوّ إلی كلّ هذه الأمور.
يقول بعد ذلك تعالی أنّه لا يستطيع إدراك هذه المسألة إلاّ من كان له حظّ عظيم {وَ ما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذينَ صَبَرُوا وَ ما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظيم}۱ فمن كان له حظّ كبير، و نصيب عظيم من الإيمان والارتباط بالغيب، و كان له نصيب من النظرة "ماوراء المادّة"، إنّ مثل هذا الشخص ينظر للمسألة هكذا: لو قابلت إساءته بإحسان الآن، فإنّ نتيجة ذلك ستعود عليّ، أنا من سيتجاوز،ولكنّني أنا الذي سيجني ثمرة ذلك، هذا هو حاصل ما يعطينيه العداد اليدويّ، الآلة الحاسبة تعطيني الآن: أنّه يجب علي أن أتجاوز ولا ألتفت، فيؤدّي ذلك إلى أن يشعر الطرف الآخر بدوره بالخجل والحياء، ويقول في نفسه: أنا قلت في غيبته ذلك الكلام، أنا فعلت ذلك، وانظر إلی الكلام الذي قاله لي بالمقابل ! أنا أسأت له فأجاب إساءتي بإحسانه! عندئذ سيشعر بالخجل والندم في كلّ مرّة يراه فيها.
كنت ذات يومٍ متواجداً برفقة بعض الأصدقاء - وقد كنت لابساً العمامة هناك- و كنّا قد دخلنا إلى محطّة الوقود فوقفنا منتظرين في الصف حتّى يصل الدور إلينا. وفي اثناء ذلك، أراد أحد الأشخاص أن يأتي من خارج الصفّ ويدخل أمامنا، فتقدّم الشخص الذي كان يقود سيّارتنا إلی الأمام ليمنعه من ذلك ممّا أدی إلی تصادمهما ببعض، كان رأيُ سائقنا أنّ الحقّ في جانبه، إلاّ أنّه و بالرغم من ذلك، فقد كان تقدّمه هو السبب في حصول التصادم؛ وبعبارة أخرى: صحيح أنّ الحقّ كان معه لكنّه لو تمهّل قليلاً لما اصطدم بالآخر. بعد ذلك، وقع شيء في قلب ذلك الشخص الذي تصادمنا معه، ولاحظتُ أنّه يقول للشخص الذي كان يرافقه: انتظر وسترى، فلنذهب الآن من هنا، وعندما نصل إلی الشارع سأصفّي حسابي معه، أمّا الآن فلنصبر... ، فالتفتُّ إلى صديقنا الذي كان يقود السيّارة، وقلتُ له: انزل من السيارة، واذهب إليه واعتذر إليه، وقل له: أيّاً كان المبلغ الذي يستحقّ عليّ فأنا مستعدّ لأن أدفعه لك الآن نقداً. فترجّل ذلك السائق ـ الذي كان من أصدقائنا ـ وذهب إلى ذلك السائق الثاني، وناداه مخرجاً حقيبة نقوده، وقال له: انظر يا عزيزي، لقد كان الحقّ معك، وعلی الرغم من أنّه كان دوري لتزويد السيارة بالوقود، إلاّ أنّني كنت السبب في وقوع التصادم، فخذ المبلغ الذي تريد.
- سورة فصلت (٤۱) الآية ٣٥.
