
الأساس المعنوي للتشريعات الإسلامية
في إطار بحثه عن مسألة الزواج، و بيان أسرار التشريع االإسلامي فيها، تعرّض سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره للبحث عن الأساس الذي تقوم عليه التشريعات الإسلامية، مبيناً كيف أنّ المنهج المعنوي للإنسان يؤثّر على كل جوانب حياته و تصرفاته و علاقاته الاجتماعية، ثمّ عاد ليبين مسألة الزواج بجوانبها و أبعادها . ألقيت هذه المحاضرة أُلقيت صباح الجمعة الثالث عشر من جمادى الأولى لعام 1430 هـ . ق.
الأساس المعنوي للتشريعات الإسلامية
22في ذلك الوضع الأول، يقول الشارع: إذا جعلت شرطاً يكون ذلك حراماً وسيحاسبك الله تعالی عليه بشدّة، لكنّك من نفسك أعطه مبلغاً إضافياً، وذلك أنّ هذا المُقرض قد فقد المال من يده مدّة من الزمان مثلاً، وقد كان بإمكانه أن يستفيد منه للقيام بعدة أشياء، نحن لم نطلب منك أيّ شيء، لكن أين هي أخلاقك؟ ماذا حصل لإنسانيّتك؟ فمن ناحية يقول: {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ} ۱ ، فالأنف مقابل الأنف والعين مقابل العين...، إذا قتل شخص شخصاً آخر يجب أن يعاقب، و من ناحية أخری يقول: {وَ إن تَعفُوا فَهُوَ خَيرٌ لَكم}، أي:إنّ العفو أنفع لآخرتكم، صحيح أنّ ذلك الشخص قام بمخالفة وارتكب معصية وأبرز حيوانيّته فقتل أحد الأشخاص، لكنّك إذا رحمت زوجته وأولاده، ورحمت أباه وأمّه، فهؤلاء لم يرتكبوا معصية، وبطبيعة الحال، فإنّ مثل هذا العفو ينبغي أن يكون حينما نلاحظ الإحساسَ بالندامة بادياً على هذا الجاني، وأمّا لو جاء صاحبنا رافعاً رأسه إلی السماء، وقال لك: يجب عليك أن تعفو وإلا فإنّ رجالي وأعواني يعرفون كيف يؤدّبونك؛ فإنّه يجب عليك في هذه الحالة أن تضربه بشكل محكم وتقتص منه و تطرحه وسط الشارع.
في زمان أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ كان يوجد في الكوفة أحد الأشخاص المتسلّطين، و قد قام هذا الشخص بصفع أحد الأفراد، و كان ذلك الشخص المضروب مسكيناً معدماً ضعيفاً، بينما الآخر كان صاحب قدرة ونفوذ، كما كان بلحاظ القوّة الظاهريّة شخصاً قويّاً. فجاء ذلك الشخص المسكين إلى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ مشتكياً، فأمر الإمام بإحضار الجاني، فجاء متأخّراً بعض الشيء، فقال له الإمام: لماذا جئت متأخّراً؟ قال:لم استطع أن آتي قبل هذا، وأنا في خدمكتم الآن! بعد ذلك، قال له الإمام: لماذا فعلت ذلك؟ فأجاب بوقاحة: لقد وقع ما وقع فماذا تريدون منّي؟ فالتفت الإمام إلی الرجل الآخر وقال له: بما أنّه يتكلّم بهذه الطريقة، فلك الحق أن تصفعه مثلما صفعك أو أن تعفو عنه. فخاف ذلك الشخص قليلاً من أن لو ضربه الآن فقد يتعدّی عليه بعد ذلك، خصوصاً وأنّ مثل هؤلاء لا يمتلكون حظّاً من الإنسانيّة، فيكون ذلك موجباً للأذى من جديد، وبسبب خوفه هذا، قال للإمام: يا علي لقد عفوت عنه. فلمّا فهم ذلك الجاني حقيقة المسألة تبسّم في وجه أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وعزم علی الذهاب، فقال له عليه السلام: إلی أين أنت ذاهب؟ إذا كان هو قد غضّ النظر عن حقّه فأنا لا أستطيع ذلك، ثمّ ضربه الإمام علی أذنه، و قال له: لقد كان هذا حقّي حتّی لا تعود مرة أخری لارتكاب مثل هذه الأخطاء، لقد كان حكم ذلك القصاص مختلفاً عن هذا، لا تظنّن أنّك تستطيع الإفلات من عليّ من خلال إبراز العضلات والتلميح بأنّك ستفعل كذا وكذا... ، أنا وبعنوان الحاكم الإسلامي والضامن لأمن المجتمع.
- سورة المائدة (٥) جزء من الآیة ٤٥.
