
الأساس المعنوي للتشريعات الإسلامية
في إطار بحثه عن مسألة الزواج، و بيان أسرار التشريع االإسلامي فيها، تعرّض سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره للبحث عن الأساس الذي تقوم عليه التشريعات الإسلامية، مبيناً كيف أنّ المنهج المعنوي للإنسان يؤثّر على كل جوانب حياته و تصرفاته و علاقاته الاجتماعية، ثمّ عاد ليبين مسألة الزواج بجوانبها و أبعادها . ألقيت هذه المحاضرة أُلقيت صباح الجمعة الثالث عشر من جمادى الأولى لعام 1430 هـ . ق.
الأساس المعنوي للتشريعات الإسلامية
18لقد رأی الحرّ بأنّ المسألة مادّية ودنيويّة، وأنّ الأمر جدّي لا يحتمل المزاح، حسب المسألة، ثمّ أخرج عدّاده اليدويّ لتقدير الأمر في هاته الأيّام القصيرة من الدنيا، وقال في نفسه: لنفترض الآن أنّك ستعيش عشرين أو ثلاثين سنة أخری، فهل تستطيع الهرب من عزرائيل؟! وحتّى في هذه السنوات العشرين، بأيّ طريقة ستعيش؟ فلكلّ شيء حسابه الخاصّ، وجميع الذين جاؤوا إلی كربلاء، وكانوا من القتلة هناك، لم تمض بضع سنوات حتی نالوا جزاءهم في هذه الدنيا، فمن تلك الناحية هو ابن رسول الله، لم يرتكب ذنباً، وهو مظلوم، والحق إلى جانبه، بل هو صادق عندما يقول: لا يوجد أيّ مبرر لكي أبايع يزيد، ومدّة الصلح الذي كان بين معاوية وأخي محدّدة بفترة حياة معاوية، فإذا كان قد مات، ووصل إلی قعر جهنّم فإنّ المعاهدة قد انتهت، والحكومة والخلافة من حقّي، ويجب أن تعود إليّ، أنا الإمام ولن أبايع. أخذ الحرّ بعين الاعتبار جميع هذه المسائل، فقيَّم شفاعة الرسول، وقيّم هذه الدنيا، ووضع الجهة الأخرويّة من هذه المسألة مع جهتها الدنيويّة في العداد وقيّمها جميعاً، فرأی أنّها لا تنجسم مع بعضها، لا يوجد توافق بين الأمور الماديّة والمعنويّة، هنالك استمدّ العون من الله، فأعانه الله بدوره وألقی في قلبه ذلك النور، ثمّ تقدّم وحسم الأمر وذهب إلى ابنه وغلامه قائلاً: " أستودعكما الله، أنا ذاهب"، ثمّ أقبل إلی الإمام الحسين عليه السلام.
لقد كان الحرّ هو السبب في وقوع جميع هذه الحوادث، فكيف استقبله الإمام؟ لقد استقبله وكأنّه لم يرتكب أيّ شيء، بل هنّأه ورحّب به، لم يقل له أيّ شيء! قال له الإمام: ليس من الضروري أيضاً أن تقول أيّ شي. ما هي الحقيقة المستورة في باطن سيّد الشهداء حتّی يصدر منه مثل هذا التصرّف؟ ماذا يمكن أن تكون هذه الحقيقة، غير تلك الجنبة الإلهيّة للنفس التي ينتفي بها كل صنم عن النفس، فلا يعود الإنسان يمتلك وجوداً غير ذلك الظهور التامّ للحقّ تعالى، واسمه الرؤوف الذي تجلّی في هذه النفس بتمام معنی الكلمة، وشمل بذلك جميع الأفراد بعطفه ورأفته، غاية الأمر أنّ بعضاً من النّاس لا يأتون، وإلاّ فإنّه ـ عليه السلام ـ لا يستثني أيّ أحد، بل يقول: نحن مثل البحر نغسل جميع الأعمال الصادرة من أيّ شخص، وكلّ من ارتكب مخالفة ما، فليأت إلی هنا وليتبْ توبة حقيقية، فسنتغاضی عن جميع مخالفاته، وكذلك أضمن له يوم القيامة بأن آتي بنفسي وأحضر عند الحساب وأحاسبه ... . كان هذا الكلام لسيد الشهداء.
