
الرياضة: هي مخالفة الهوى و العمل بالتكليف
يتوهّم البعض أنّ الرياضة في مدرسة العرفان هي أن يحبس الإنسان نفسه في قعر بئر، و يتّهم آخرون أهل المعرفة بأنّهم يمارسون أعمالاً شاقة باسم الرياضة، فهل هذا الفهم صحيح؟ يجيب سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني بالنفي القاطع، مؤكّداً أن منشأ ذلك هو استقاء مباني هذه المدرسة من غير أساطينها، ثمّ يبيّن ما هي حقيقة الرياضة في مدرسة العرفان ذاكراً بعض النماذج الأساسيّة و المهمّة في حياتنا.
الرياضة: هي مخالفة الهوى و العمل بالتكليف
الوصف:
يتوهّم البعض أنّ الرياضة في مدرسة العرفان هي أن يحبس الإنسان نفسه في قعر بئر، و يتّهم آخرون أهل المعرفة بأنّهم يمارسون أعمالاً شاقة باسم الرياضة، فهل هذا الفهم صحيح؟ يجيب سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني بالنفي القاطع، مؤكّداً أن منشأ ذلك هو استقاء مباني هذه المدرسة من غير أساطينها، ثمّ يبيّن ما هي حقيقة الرياضة في مدرسة العرفان ذاكراً بعض النماذج الأساسيّة و المهمّة في حياتنا.
الرياضة: هي مخالفة الهوى و العمل بالتكليف
6بناء على هذه المسألة يجب على الإنسان أن يجعل حياته وأطواره الخاصة وأفعاله على أساس ذلك، وهكذا كان منهج العلماء والعرفاء وأهل التوحيد؛ بمعنى أنه كان لديهم انضباط دقيق وتنظيم دقيق ورعاية دقيقة للأفراد في الأمور كافّة، وعلى كل فرد أن يراعي هذه المسألة في كل فعل وفي كل مكان. وكان المرحوم الوالد في مسائل مختلفة.. لا أدري هل ذكرت ذلك أم لا؟ ظاهراً ذكرتها لكم.. حسناً، أولاً لقد كان فرداً فنياً في فكره، وهذا محفوظ، ولكنّه بشكلٍ عامّ كان دأبه أن يختار الأحسن والأفضل في كلّ مسألةٍ وفي كلّ أمر، وفي كلّ قضية كان يختار الأعلى والأدقّ.. مثلاً عندما كنّا نمرض لم يكن يقول: تناولوا أيّ شيء، بل كان علينا أن نراجع أفضل الأطبّاء المتخصّصين في الأمراض الداخلية، وإذا تألّمت عيوننا، كان علينا أن نراجع الأفضل، وفي الأعصاب علينا أن نراجع الأفضل، وهذا الأمر كان واجباً في كلّ شيء.
احتاجت أختنا يوماً إلى إجراء عمليّة أعصاب في الظهر، ومن الواضح أنّ المتخصّصين في ذلك كُثُر، وجميعهم جيّدون، لكنه قال: "عليكم أن ترجعوا إلى الطبيب فلان فقط دون غيره، ولا يحقّ لكم أن تراجعوا غيره"، مع العلم بأنّ هناك أطبّاء آخرون، بل كان هناك مِن أصدقائنا مَن كان على استعداد لإجراء هذه العمليّة، وكانوا من المعارف، [و مع ذلك أصرّ رضوان الله عليه على أن نراجع أفضل الأطبّاء]؛ لماذا؟ لأنّ هذا النظام ( وهو نظام الحقّ، ونظام التوحيد، ونظام العرفان) هو على أساس نفس الكيفيّة التي تنزّل بها فيض الله تعالى إلى عالم الوجود في أحسن تقويم وأفضل سبيل وطريق وموقعية، فقد قال تعالى في الإشارة إلى نظام الخلقة: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}۱، وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ}٢، وهناك العديد من الآيات الأخرى في هذا المقام، وجميع هذه الآيات تلفت نظرنا إلى أن عالم التكوين والخلقة وتنزّل حقيقة الوجود هو بأفضل كيفيّة وأكمل نحو، فالله تعالى حقّ، وفعله حقّ، وجميع العالم منظّم على أساس ذلك النَّظْم الدقيق والتدبير المتقن، ولهذا السبب نستنتج أنّ أفضل منهج للتشريع، وأفضل وسيلة للتربية، وأفضل طريقة للتزكية، وأفضل سبيل للهداية والإرشاد، وأفضل منهج في الهداية، هو ذلك المنهج الذي لا يوجد ما هو أفضل منه، ولا يوجد أعلى منه، فيجب على الإنسان أن يراعي هذا النظام والمنهج، ويزرعه في أعماق نفسه ووجوده ويتخّذه سبيلا له في فكره، وفي خطوراته، وفي كلامه، وفي جميع أطواره.
- سورة الحج (٢٢)، الآية ٦٢.
- سورة الروم (٣۰)، الآية ۸.
