
الرياضة: هي مخالفة الهوى و العمل بالتكليف
يتوهّم البعض أنّ الرياضة في مدرسة العرفان هي أن يحبس الإنسان نفسه في قعر بئر، و يتّهم آخرون أهل المعرفة بأنّهم يمارسون أعمالاً شاقة باسم الرياضة، فهل هذا الفهم صحيح؟ يجيب سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني بالنفي القاطع، مؤكّداً أن منشأ ذلك هو استقاء مباني هذه المدرسة من غير أساطينها، ثمّ يبيّن ما هي حقيقة الرياضة في مدرسة العرفان ذاكراً بعض النماذج الأساسيّة و المهمّة في حياتنا.
الرياضة: هي مخالفة الهوى و العمل بالتكليف
13فالمسلم هو من يكون من أهل الرياضة، ومن هم شيعة أمير المؤمنين عليه السلام؟ شيعته من كان من أهل الرياضة، ومن هو المتّبع للأئمة؟ هو الذي يكون من أهل الرياضة، ومن هو الذي يتجاوز منهج الإمام عليه السلام ويرغب عنه؟ هو الذي لا يريد أن يكون من أهل الرياضة، وهو الذي يريد أن يرجّح رغبته وإرادته على إرادة الإمام عليه السلام، ومن يكون كذلك فليس من أهل الرياضة. من هو الذي يحاول أن يظهر فكره ورأيه دون أن يلتفت إلى حقيقة المسألة وعمقها؟ هو الذي يكون مسيره مخالفاً، وعندما يكون مسيره مخالفاً لا يكون من أهل الرياضة، ولا يكون من أهل العمل بالدستور، الرياضة في اصطلاح أهل التوحيد تعني وضع القدم في كل مكان يطمئن الإنسان بأنّ رضا الله فيه.
بناءً على ذلك، فعندما نواجه الموقف الذي حصل بين المرحوم العلامة الطهراني وأحد علماء النجف حيث يقول المرحوم الوالد: عندما كنت في النجف تحدّثت مع أحد كبار العلماء حول هذه المسألة، وبحثنا بأن الإنسان عليه أن يجعل تمام أموره مبنية على أساس الرضا الإلهي والمصلحة الإلهيّة وعلى أساس اختيار الله وإرادته، لكن ذلك العالم كان يقول: كلاّ، بل يجب في بعض الأحيان أن يبني أعماله على أساس المصالح الاجتماعية والشخصيّة، فسيظهر أنّه هذا [أي العلامة الطهراني] من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام بينما ذاك من شيعة عمر بن الخطاب، لماذا؟ لأن هذا يقول يجب أن نعمل بما قاله الإمام عليه السلام، أن نضع قدمنا حيث يرضى الله، وحتّى لو لم يكن لدينا يقين فلا بأس، فالله تعالى عندئذٍ لا يطالبنا باليقين، ولكنّه لا أقل أراد منا ما هو قريب من اليقين. يعني عندما يكون لدينا يقين وعندما يكون الأمر الصريح للإمام عليه السلام إلى جانبنا بفعل أمر معيّن، فالأمر واضح ، وكلّ تدخّل وتطفّل ممنوع؛ وأما في المسائل التي ليس لدينا يقين فيها، فالله تعالى لم يضع هنا (إشارة إلى الرأس) حديدًا، ولم يضع هنا اسمنتًا ونحاسًا، بل وضع هنا خلايا عصبية، فلا تتخيّل أنه يوجد في رأسك جبساً، بل عليك أن تُعمِل عقلك والله تعالى يساعدك لتعرف ما كان مورد رضا الله تعالى، عليك أن تصفي قلبك لله، فلا تحتل على نفسك، ولا توهم الأمور على نفسك، ولا تضع الحقّ جانباً إرضاءً للآخرين، ولا تضع الواقع تحت قدمك وتتغاضى عن المخالفة والأخطاء التي تراها مراعاةً للآخرين، ولا تسقط الإمام عن مرتبة الإمامة لكي تغطّي على المخالفات والأخطاء وتبرّرها، فالإمام عليه السلام إمامٌ سواء خالفته أم أطعته وعملت بشكل صحيح، فهو إمام على كل حال، وعليّ أن لا أنزله عن موقعه، وعليّ أن لا أشكّك بمكانة رسول الله صلى الله عليه وآله لأجل العمل المخالف الذي أقوم به، وينبغي أن لا أضع مقام المعصوم عليه السلام ضمن المسائل التي تعتبر مخالفة لأجل بعض المطالب التي تُشاهد هنا وهناك، فالمعصوم عليه السلام معصوم أبداً، والمعصوم عليه السلام في حالة من الطهارة المطلقة إلى ما شاء الله، أمّا أنا فلست معصوماً، ولست في طهارة، ولم أصل إلى مقام الطهارة، فلا يمكنني أن أضع نفسي في مكان المعصوم، ولا ينبغي أن أُذهب ماء وجهي بذلك، أليس كذلك؟
