
الرياضة: تنظيم الحياة لرفع الموانع
ماهي حقيقة الرياضة والمجاهدة؟ وهل الأهم فيها المشقة والتعب الجسدي أم أمر آخر! وما هما التفسيران المختلفان لقول النبي "لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله"؟ وهل مراتب المعرفة متساوية أم لا؟ أسئلة أجاب عليها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني في هذه المحاضرة، بالإضافة إلى تناوله الأذى الذي تحمّله العظماء من الأئمة والأولياء الذي هو أحد مصاديق الرياضة، وأنّ ما يجري على هذه الأمة هو عين ما جرى على الأمم السابقة تماماً. وذَكر أيضاً كيفيّة الصلاة الحقيقيّة وهل أن الصلاة الظاهريّة تؤثّر؟ ثم تعرّض لكيفيّة إحياء مجالس الإمام الحسين عليه السلام، وأنّ عاشوراء فرصة ومائدة لترقية الروح والفهم والتأمّل لا للصراخ، خاتماً كلامه بتوصيات لخطباء المنبر الحسيني ولكيفية إحياء هذه المناسبة العظيمة.
الرياضة: تنظيم الحياة لرفع الموانع
3والحقير كان يرى أنّ توجيه الدعوة للوالدين يعدّ إهانة لهما، كأن يقول الابن لأبيه: تفضّل يا والدي في اليوم الفلاني إلى المنزل, فهذا غير مناسب للوالدين.. إلا أنّ رأي أحد الحاضرين في المجلس كان مخالفاً, حيث كان يقول بأنّه كيف يمكن لي إذاً أن أدعوهما؟! فلا بدّ في آخر المطاف من إيجاد عبارة للدعوة، فما هي تلك العبارة؟! يعني لا بدّ أن يصرّح لهما بذلك.. لا بدّ وأن يقول تفضّلوا! فقلت: لا.. بل لدينا الكثير من العبارات التي توصل هذا المعنى، إذ ليس من اللازم أن تستعمل عبارات الدعوة أصلاً. والمرحوم الوالد كان يستمع ويضحك.. إلى أن استطعنا في النهاية أن نتغلّب عليه! وبعد ذلك قال المرحوم العلامة: ما يقوله صحيح؛ فلا ينبغي للابن أن يدعو الأب! فمنزل الابن هو منزل الأب, والأب له ولاية عليه، كما له ولاية على أبنائه أيضاً. والحال أنّ الدعوة تكون للغريب لا لصاحب المنزل, تماماً كما يقوم الإنسان بدعوة صديقه أو أحد الأشخاص الغرباء إلى أحد المجالس أو إلى تناول الغداء. وهذه المسألة أنقلها لكم عن الوالد والتي خطرت ببالي الآن لكي تعلموا أنّ مسألة الأب والأم ليست مزاحاً, وإنّما هي جدّية وواقعيّة إلى هذا الحد.
بعد ذلك سألني المرحوم الوالد ما رأيك في هذه المسألة؟ فقلت: من الجيّد أن يكون بنحو الاطلاع والإبلاغ؛ كأن يقول لوالده: لقد دعونا الأرحام في اليوم الفلاني، فما هو رأيكم! قال نعم هذا جيد! فهو ممّا لا إشكال فيه, وهو جيّد..
اتهام المرحوم العلاّمة بالتصوّف وبيان معنى التصوّف الحقيقي
وعلى كل حال [وهنا موضع الشاهد]كان قد شرّف المرحوم العلامة بالمجيء إلى ذاك المجلس، وكان هناك أحد الأقرباء السببيين، وطرح مسألة أخرى أيضاً؛ وقال بأن وضعنا قد تبدّل، وأحوالنا وميولنا قد تغيّرت, وأصبحتْ علاقتنا بكم واضحة وشاخصةً للجميع وأمام العائلة .. والحال أنّ بعض الأشخاص لم يكونوا على علاقة جيدة بالمرحوم العلامة، بل كانوا ينظرون إليه بوصفه صوفياً! وأعتقد بأني قد ذكرت ذلك في الجزء الأول [من أسرار الملكوت]، وكانوا يرونه من الصوفيين والدراويش! وكان يجيبهم المرحوم الوالد ويقول: إنّ "شوارب" الدرويش طويلة جداً, وللدرويش كشكول وعصاة يحملها، فأين شاربنا نحن وأين الكشكول والعصاة، فشاربهم يصل إلى هنا.. وقد رأيت بنفسي الدراويش ورأيت أحد أقطابهم الذي كان من المعمّمين أيضاً.. لا أدري أين كنا مرة حينما نقلت للإخوة عن أحد أقطاب هذه السلسلة؛ حيث كان شاربه طويلاً إلى هذا الحد! وقد قرأت في أحد كتبه بأنه قد يُعترض علينا بأنّ إطالة الشارب فيه إشكال، ولماذا تطيلون شعركم وشاربكم؟! وأجاب بجواب غير صحيح برأيي حيث كتب: بأنّ الدين لم يرتبط بهذا الشعر.. ونحن أيضاً نجيبهم: بأنّه صحيح أنّ الدين لا يرتبط بالشعر، ولكنكم ربطتم قلبكم ونفسكم بهذا الشارب، فلو قال لا! قل له: اذهب وقصّ شاربك! فلن يقصّه!! فإذن قلبك ونفسك صارت مرتبطة به، نعم الدين لم يرتبط به، والإنسان ينبغي عليه أن يمشي على طبق الشرع؛ فحينما يكون إطالة الشارب مكروهاً كراهة شديدة في الشرع، فلماذا يأتي الإنسان ويخالف هذا الحكم؟! فهل صحيح أن تكون بخصوص هذا الزي وهذا اللباس وهذا الشكل؟! فما معنى ذلك؟ ما الذي تريد أن تثبته للناس؟ أتريد أن تقول لهم أنا درويش؟! إن كنت درويشاً فكن كذلك في باطنك، لا في ظاهرك, وأنا أقول بأنه ينبغي أن يكون الإنسان درويشاً، لكن الدرويش في القلب والباطن، لا في الظاهر! الدرويش هو الذي يخرج من نفسه، هو الذي يشعر بالفقر.. فثوب الفقر الذي كان يلبسه رسول الله صلّى الله عليه وآله ويقول: "الفقر فخري"، اذهب والبس ذاك اللباس، لا أن تأتي وتلبس قبعة كذا، وتحمل عصاة كذا، وأن يكون شكلك كذا.. فأنت بمجرد أن تغيّر في شكلك تكون قد خرجت عن دائرة الدراويش، وصرت من أهل الدنيا، فأهل الدنيا عدة أنواع؛ بعضهم يحلق لحيته بالكامل, وبعضهم يطيل لحيته إلى أن تصل إلى الأقدام.. لكن كلاهما من أهل الدنيا.. يعني يرسلونها بشكل ملفت جداً وغير مألوف ليظهروا لحيتهم للآخرين. ما الذي يريدون إبرازه للآخرين؟! كلّ ذلك خطأ, بل ينبغي أن يبقى الشيء بمقداره وبحدّه, فكلّ ما يجعل الإنسان مهتمّاً بنفسه بدلاً عن الاهتمام بالواقع هو دنيا, مهما كان. فحينما تطيل شاربك خلافاً لما أمرتْ به الروايات, فأنت إنّما تسير وفق ما تمليه نفسك, أتريد [أن تمتثل للروايات] اذهب واحلق شاربيك! عندها ستقول: آه لقد تغيّر شكلي! آه.. آه..، فهذا التعجّب إنما هو لأنك لست درويشاً حقيقياً, بل درويش مزيّف، فالدرويش الحقيقي هو الذي يعمل طبقًا للتكليف وما يؤمر به، هو المتّصل باطنه بالله تعالى, وقلبه منقطع عمّا سوى الله, وحالة الفقر والحاجة مخيّمة على قلبه. وأمّا لو أراد أن يوجّه قلبه نحو الأمور الظاهريّة، ونحو اللباس وكيفية ظهوره الخاص بين الناس، فنفس ذلك يجعله متوجهاً إلى ما سوى الله، وهو انقطاع عن الفقر, وابتعاد عن الممشى والمرام الأصلي. قل لي: هل كان الإمام الصادق يفعل ذلك؟ هل كان يرسل شاربيه؟! أو أمير المؤمنين أو الإمام الرضا؟! أو أنّكم أنتم كذلك؟! وأنتم قمتم بذلك مقابل تلك المدرسة الشامخة, وعرضتم أمراً جديداً مقابل تعاليم المذهب الحنيف. ففي بعض الأحيان لا مشكلة في أن يقوم الإنسان بفعل بعض الأمور التي يراها صحيحة؛ سواء في الزي أو الشكل, بشرط أن لا يكون هناك شيء مخالف له من قبل الشرع, أو من الأئمّة عليهم السلام، هذا لا إشكال فيه. ولكن لو تأمّلنا في هذه المسائل, ولاحظنا عدم الاكتراث بما وردنا من ضوابط وتعاليم عن الأئمّة، نعلم بأنّ جميع ذلك مخالف لمسلك أهل البيت؛ فتطويل الشارب مخالف للسنّة ومخالف للأحاديث الشريفة, وعلى الإنسان أن لا يفعل ذلك, تماماً كما أنّ حلق اللحية مخالف أيضاً، لكن طبعاً حلق اللحية حرام, بينما إرسال الشارب ليس حراماً, وإنّما هو مكروه كراهة شديدة, فعلى الإنسان أن يلتزم بالدستور ويعمل بما قيل له فقط.
