
المفهوم الحقيقي للرياضة
ما هي أهمّية الرياضة في تكامل الإنسان معنويًّا؟ وهل يحصل هذا التكامل من خلال مجرّد جمع المعلومات؟ وهل أنّ لكلّ مرحلة من عمر الإنسان برنامجًا خاصًّا للتكامل؟ ولماذا يمتلك الأحداث استعدادًا أكبر للتكامل؟ وما هو المفهوم الحقيقي للرياضة التي تؤّدي للتكامل؟ هي تساؤلات سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى للإجابة عنها في هذه المحاضرة؛ علاوةً على تساؤلات وقضايا أخرى.
المفهوم الحقيقي للرياضة
23سألني الإخوة عن كيفيّة تناول الطعام أثناء الصيام، فقلت لهم: ينبغي أن يكون الطعام الذي يتناوله الصائم في السحور بحيث تنتهي المعدة من هضمه قبل حلول الظهر من اليوم التالي، وذلك لكي يشعر الصائم بالجوع في فترة ما بعد الظهر، لا أن يكون الطعام الذي يتناوله في وجبة السحور بالشكل الذي يحتاج فيه إلى تناول العقاقير عند الغروب من أجل إتمام هضم ما تمّ تناوله في تلك الوجبة، حيث لم يعد ذلك صيامًا؛ فما الذي سيدركه ذلك الصائم من الصيام؟ وأيّ حالٍ معنوي سيبقى له مع هكذا صيام؟
فعلى الإنسان مراعاة حالة الاعتدال في تناول الطعام، على أنَّنا لم نكن بصدد الحديث عن موضوع الطعام، وقد تطرّقنا إليه هنا من باب المثال؛ فهنالك أمور أخرى وفي مجالات مختلفة يُمكن أن تكون مصاديق عمليّة واجتماعيّة وشخصيّة لتبيين معنى الرياضة التي أشار إليها الإمام عليه السلام؛ وهي تعمل على جعل الإنسان يسير في ذلك الطريق نحو الواقع إذا ما قام برعايتها.
فالرياضة بشكل مختصر هي عبارة عن مخالفة هوى النفس.. هذه هي الرياضة؛ فإذا أمرت النفسُ الإنسانَ بالإكثار من تناول الطعام، فعليه مخالفتها والتقليل من الطعام؛ وإذا أمرته بالقيام بالعمل الفلاني، وهو يرى بأنَّه من غير الصحيح القيام به، فعليه أن يخالفها.. وهذا ليس بالعمل الشاقّ جدًّا! وإذا أمرته بإلصاق كذا تهمة بصديقه، أو أن يكذب كذا كذبة لكي يقبله الآخرون بين صفوفهم، فعليه أن يُجيبها بأنَّ الكذب حرام، وهو مخالف للشريعة الإسلاميّة، ولا يجوز القيام به بحقّ اليهودي أو النصراني أو أيّ مسلم آخر؛ فكيف إن كان الأمر يتعلّق بواحد من شيعة أمير المؤمنين؟ فيا للهول إذًا! فيمتنع عن الكذب والمكر والنفاق؛ فتلك هي الرياضة. أو أن يتمّ إغراء الإنسان بمنحه المنصب الفلاني مقابل قيامه بعمل حرام؛ فترى الله والإمام والعقل والوجدان يحكمون بعدم قبول مثل هذا الأمر، فعدم الاستجابة لذلك الإغراء هو من أنواع الرياضة. فالرياضة ليست هي ذلك المفهوم الذي أُلقي علينا، بل الرياضة هي عبارة عن جميع الأعمال التي تخالف هوى النفس وتوافق رضا الله؛ فانظروا كم هو من أمر مريح للنفس! وحقيقةً، عندما يتعرّض أحدنا لموقف ما، وينطق بالصدق بدلاً عن الكذب، ألا يشعر بالسعادة أكثر؟ فكم نكون تعساء ومساكين حين نُضحّي بهدوئنا وراحة بالنا عندما نكذب ونبقى خائفين من أن يُفتضح أمرنا في يوم من الأيّام.. لقد كان علينا ألاّ نكذب منذ البداية لئلاّ نضطرّ للسعي جاهدين وراء سدّ هذه الثغرة أو الخوف من انفتاق تلك؛ فكم هو جميل أن يكون الإنسان صادقًا، ليكون مرتاح البال ولا يحتاج إلى تناول الأقراص المهدّئة ليلاً، ولكي لا يرى الكوابيس في منامه، ولكي لا يكون مجبورًا على إضافة المئات من الأكاذيب الواحدة تلو الأخرى من أجل ترقيع موقفه الحاصل عن تلك الكذبة؛ فهكذا تجري الأمور، فعندما يكذب أحدهم، يرى نفسه مضطرًّا لإدامة مسلسل أكاذيبه.. لقد كان بإمكانه تفادي جميع ما حصل، وذلك بأن يكون صادقًا منذ البداية، وألاّ يعمل إلاّ بما أمر الله به؛ فسيكون بذلك مرفوع الرأس أينما ذهب. فعندما يدَّعي المرء لنفسه مقامًا ليس له، ويأتي الآخرون للتحقّق من الأمر، سيكون مضطرًّا لأن يكذب كذبة أخرى؛ فكم كان مناسبًا أن يقول المرء الحقّ ولا يدّعي ما ليس له، وهذا ما أفعله أنا دائمًا.
