
رياضة النفس، وبعض مصاديقها
قام سماحة السيد محمد محسن الطهراني قدس سره في ضمن شرحه لعبارة : أما اللواتي في الرياضة فإياك أن تأكل ما لا تشتهيه... بتوضيح معنى الرياضة ، وأنها هي المراقبة، فذكر بعض تطبيقاتها ، مثل: صلاة الليل ومدى أهميتها للمؤمن، العزلة ، ومستندها الشرعي، ومتى نطبقها، وذكر سماحته أيضًا مجالس الفاتحة وكيف ينبغي أن تقام وماهي الأمور التي على الخطيب أن يتكلم فيها، وذكر مسألة مهمة وهي: كيفية زيارة قبور الأولياء والصالحين، وتطرق بالأثناء إلى أهمية كتب المرحوم العلامة. وذكر من تطبيقات المراقبة أيضاً مسألة بذل المال، وكيف نطبق المراقبة في بذله؟ وذكر أيضاً بعض الآداب التي ينبغي على المسلم مراعاتها على المائدة ؟ وفي الأثناء أشار إلى ملاك المراقبة وهو فعل ما يؤمر به العبد.
رياضة النفس، وبعض مصاديقها
8كان رسول الله يعتزل في غار حراء عندما كانت السيِّدة خديجة على قيد الحياة، وكانت السيِّدة خديجة تجلب له ما يحتاج إليه من طعام ومن مستلزمات الحياة اليومية الأخرى بين يوم وآخر؛ فكان النبي مأموراً بالتواجد في الغار دون مغادرته، أليس هذا هو معنى الاعتزال والابتعاد عن العائلة وعن الناس؟ لقد كان رسول الله مأموراً بالابتعاد عن السيِّدة خديجة لمدة أربعين يوماً قبل حملها بالسيِّدة فاطمة الزهراء، فالابتعاد عن المجتمع والعائلة والمحيط الذي يعيش فيه المرء هو نوع من الرياضة الشرعية إذاً، فهذا المحيط يُشغل الإنسان عن العمل بتكاليفه الإلهية.
ضرورة العمل بما يؤمر الإنسان به دون الالتفات إلى شيء آخر
وهنالك الكثير مما يجب التحدّث عنه فيما يتعلّق بتأثير المحيط الذي يعيش فيه المرء على سلوكه، وسيتم الحديث عن هذا الموضوع في المجالس القادمة إن شاء الله، ولا بدّ من الحديث عنه؛ لأنَّه موضوع في غاية الأهميّة. كما ستتم الإجابة على ما يُستشكَل به على أولياء الله والعرفاء من أنَّهم يعتزلون المجتمع ولا يعلمون شيئاً ممّا يُعاني منه الناس، بل يتركونهم وحالهم ويعتزلون في زاوية من الزوايا، وما شابه ذلك من الهراء. وهنالك أمور مطروحة من قبل العظماء في هذا المجال سأقوم بنقلها إلى الأخوة، وهي تدور حول محور العمل بموجب التكليف الإلهي؛ أي الإنسان يكون مكلّفاً ـ وفي كافة الظروف ـ بالقيام بواجبه كائناً ما يكون ذلك الواجب؛ فإن طُلب منه القيام فعليه القيام، وإن طُلب منه القعود فعليه القعود، وإن طُلب منه التكلّم فعليه التكلّم، وإن طُلب منه السكوت فعليه السكوت؛ فإن كان مُكلّفاً بالسكوت وقام بالتكلّم، فيكون قد ارتكب ذنباً بذلك، وإن كان مُكلّفاً بالتكلّم وسكت بدل ذلك، فيكون قد عمل محرّماً بسكوته هذا.
ففي عهد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، بما أن التكليف كان يقتضي القعود وترك القتال والانصياع لأمر الإمام بالقبول بالصلح، فإن لم يكن مزاج أحدهم ونمط تفكيره يسمح له بتحمّل ما تقوم به حكومة معاوية من جور وظلم، وخالف أمر الإمام في هكذا ظرف وأراد القيام بوجه تلك الحكومة، فيكون هذا الشخص قد ارتكب عملاً محرّماً، ويُحسب هذا القيام على أنَّه قيام بوجه المعصوم! كما أنّه عندما يجب عليه المسارعة إلى نصرة الإمام وعدم تركه وحيداً بين الأعداء، ويجب عليه الامتثال في الدفاع عن الإمام وعائلته وسفك دمه بين يديه، إن قام في هكذا ظرف بترجيح العافية على الجهاد في سبيل الله والمصلحة الدنيوية على رضوان الله، وكان همّه استمرار حياته الدنيوية والعيش مع زوجته وأبنائه وكسب الأموال والممتلكات والجاه والتفكير بحفظ النفس.. فسيكون هذا التصرّف بمثابة القيام بوجه الإمام أيضاً، وسيُكبُّ صاحبه على وجهه في نار جهنم؛ لأنَّ هذا الظرف هو ظرف القيام، بينما لم يكن ذلك الوقت وقت القيام، بل كان يُحرَّم فيه القيام، أمّا هذا الوقت فهو وقت القيام ويُحرَّم فيه القعود، فيجب في جميع الأحوال انتظار أمر الإمام عليه السلام لا غير؛ فإن أمر بالتكلّم، فعليك السمع والطاعة، وإن أمر بالسكوت فعليك السمع والطاعة أيضاً، وكذا الحال في الأمر بالقيام أو القعود. ولقد عانى أئمتنا ما عانوا خلال فترة حياتهم من هذا النوع من التمرّد من قبل أصحابهم الذين كانوا يأمرونهم بالسكوت، فيحسبون أنفسهم أشد حرصاً من الإمام ويأخذون بالتكلّم هنا وهناك، فيضيفون بتصرّفاتهم تلك المزيد من المصائب والمشقات على الإمام، إلى الحدّ الذي قال فيه الإمام موسى بن جعفر عليه السلام: ودّدت لو أن بدني يقطّع بالمقاريض ليكفّ أصحابي ألسنتهم عن الكلام۱. ما الذي يدعوك للبحث والجدال يا هذا، فإن كنت تفعل ذلك لأجل نصرة الدين، فها هو المتوكّل بأمر الدين يدعوك للسكوت، وإن كان ذلك لأجل أغراضك النفسية، فما هو سبب تواجدك هنا؟ ولماذا تنسب نفسك إلى الإمام موسى بن جعفر وتقول بأنَّك من تلامذته؟ ولماذا تدّعي الدفاع عن الولاية وعن المذهب؟ لماذا لا تقول بأنَّك تفعل ذلك من أجل أغراضك النفسية؟ وأنَّه لا علاقة لك بالإمام، لكي يعلم الناس والحكومة عندها كيف سيتعاملون معك. فأنت تنسب نفسك إلى الإمام، وتحسب الحكومة كلامك على أنَّه يعكس رأي الإمام، فيقومون بالتضييق عليه نتيجة لذلك، فالإمام يوضّح هذا الأمر هنا ويقول: إن كنتُ أنا وليّ الأمر، فها أنا آمرك بالصمت والجلوس في مكانك.
- بحار الانوار، ج ۱٥ كتاب العشرة ص ۱٣۷: عن الكافي، بسنده عن الإمام عليّ بن الحسين عليهما السلام أنَّه قال: وَدِدتُ وَ اللهِ إنِّي افتَدَيْتُ خَصلَتَينِ في الشِّيَعَةِ لَنَا بِبَعْضِ لَحمِ سَاعِدي: النَّزَقَ، وَ قِلَّةَ الكِتْمَان.
