
رياضة النفس، وبعض مصاديقها
قام سماحة السيد محمد محسن الطهراني قدس سره في ضمن شرحه لعبارة : أما اللواتي في الرياضة فإياك أن تأكل ما لا تشتهيه... بتوضيح معنى الرياضة ، وأنها هي المراقبة، فذكر بعض تطبيقاتها ، مثل: صلاة الليل ومدى أهميتها للمؤمن، العزلة ، ومستندها الشرعي، ومتى نطبقها، وذكر سماحته أيضًا مجالس الفاتحة وكيف ينبغي أن تقام وماهي الأمور التي على الخطيب أن يتكلم فيها، وذكر مسألة مهمة وهي: كيفية زيارة قبور الأولياء والصالحين، وتطرق بالأثناء إلى أهمية كتب المرحوم العلامة. وذكر من تطبيقات المراقبة أيضاً مسألة بذل المال، وكيف نطبق المراقبة في بذله؟ وذكر أيضاً بعض الآداب التي ينبغي على المسلم مراعاتها على المائدة ؟ وفي الأثناء أشار إلى ملاك المراقبة وهو فعل ما يؤمر به العبد.
رياضة النفس، وبعض مصاديقها
3سمعت من أحدهم بأنَّه كان برفقة أحد علماء الدين المعروفين ـ لقد توفي الآن ـ في مكان ما، وكان يقول بأنَّني إن لم أقم بإيقاظ هذا العالم لأداء صلاة الصبح، لفاتته الصلاة أداءً؛ فهل يُتوقع من مثل هذا الرجل أن ينهض لأداء صلاة الليل؟!
فصلاة الليل هي مثال على الرياضة الشرعية، فليس معنى الرياضة التي يُوصى بها هي أن يترك المرء أسرته ليعيش في كهفٍ يتعبّد فيه لوحده؛ فهذه لا تُسمّى رياضة، بل هي ضرب من الجنون، يستثنى من ذلك بالطبع بعض الحالات الخاصة والتي تكون وفقاً لبرنامج محدّد؛ حيث يعتزل السالك في مكان منفرد لفترة محددة في الشهر أو السنة، وذلك بمقتضى السير الروحي لذلك السالك والذي يتطلب هكذا عزلة.
العزلة من الرياضة النفسية
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يعتزل بين الحين والآخر في غار حراء، فكان يعتزل عدة مرات في السنة، وكان يعتزل بمفرده قبل ولادة أمير المؤمنين، ثم أخذ يصطحب أمير المؤمنين معه عندما كان طفلاً؛ حيث يقول أمير المؤمنين عن ذلك: «وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ (صلى الله عليه وآله) فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ؟ فَقَالَ هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ»۱. فكان أمير المؤمنين يقول: كنت أسمع تحدّث الملائكة مع رسول الله، وكنت أدرك كيف أنَّ الشيطان قد يأس من إغواء الخلق بعد بعثة النبي برسالته. ألا يعتبر ترك النبي لعائلته والاعتزال في غار حراء من الرياضة؟ وسيأتي الحديث عن موضوع الاعتزال لاحقاً.. ألم يمضِ رسول الله أسابيع في الغار بعيداً عن الناس؟ فالمسافة بين غار حراء ومكة ليست بالقصيرة، ولم يكن متصلاً بمكة كما هو عليه اليوم!
[وكانت خديجة سلام الله عليها تجلب الماء والطعام لرسول الله]، لقد كانت امرأةً عجيبةً حقاً ولها حق في أعناقنا جميعاً، ويُستفاد من العبارات التي كان يستخدمها رسول الله بحقها أنَّها كانت سنداً ومأوىً له؛ فقد وقفت جميع وجودها في خدمة النبي، ووهبته جميع أموالها بعد زواجها منه، فقالت له: هذا كلّ ما أملك فاصرفه لأجل نشر الرسالة بما تراه مناسباً، هذا أول شيء فعلته، ثمّ إنَّها وبفعل ما كانت تتمتع به من شخصية ومكانة مرموقة كانت تزيل الكثير من المشاكل والعوائق عن طريق النبي؛ حتّى إنَّها كانت تحمي رسول الله عندما كان يتعرّض لأذى المشركين، فكانت تجعل من جسدها الشريف درعاً يحميه مما كان يُرمى به من أحجار، ولقد كان رسول الله يذكرها بخير طوال حياته، وكان يذبح الشاة ويتصدّق بلحمها عنها، حتى أن بعض زوجاته حسدتها على ذلك، ومن المعلوم أيّ نساء النبي أقصد، إنَّها تلك التي يمتدحونها في الكتب ويسمّونها بأمّ المؤمنين عائشة. فكانت تقول له: بلغتَ الستين من العمر ولا تزال تذكرها [وقد أبدلك الله بها خيراً]٢؟ فقال لها النبي: كيف يمكن لي أن أترك ذكرها؟! وأين أنت منها، فأنت لم تلتحقي بي إلاّ في وقت الرخاء! فهل تعلمين في أيّ الظروف كانت قد وقفت إلى جانبي؟ لقد وقفت بجنبي عندما تألّبت جميع قريش ضدّي، وعندما وقف الكلّ بوجهي؛ فوهبتني في تلك الظروف جميع ما تملك، وجعلت من نفسها درعاً لدفع الأذى عنّي، إلى ما ذلك من الأعمال التي قامت بها، ولقد عاشت معي ثلاث سنوات في شعب أبي طالب ـ فأين يوجد مثلها الآن ـ وتريدين منّي بعد كل هذا أن أنسى ذكرها.
- نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح، ص ٣۰۰.
- راجع المعجم الكبير للطبراني، ج ٢٣، ص ۱٣.
