
رياضة النفس، وبعض مصاديقها
قام سماحة السيد محمد محسن الطهراني قدس سره في ضمن شرحه لعبارة : أما اللواتي في الرياضة فإياك أن تأكل ما لا تشتهيه... بتوضيح معنى الرياضة ، وأنها هي المراقبة، فذكر بعض تطبيقاتها ، مثل: صلاة الليل ومدى أهميتها للمؤمن، العزلة ، ومستندها الشرعي، ومتى نطبقها، وذكر سماحته أيضًا مجالس الفاتحة وكيف ينبغي أن تقام وماهي الأمور التي على الخطيب أن يتكلم فيها، وذكر مسألة مهمة وهي: كيفية زيارة قبور الأولياء والصالحين، وتطرق بالأثناء إلى أهمية كتب المرحوم العلامة. وذكر من تطبيقات المراقبة أيضاً مسألة بذل المال، وكيف نطبق المراقبة في بذله؟ وذكر أيضاً بعض الآداب التي ينبغي على المسلم مراعاتها على المائدة ؟ وفي الأثناء أشار إلى ملاك المراقبة وهو فعل ما يؤمر به العبد.
رياضة النفس، وبعض مصاديقها
2أعوذُ بِاللَه مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيم
بِسمِ اللَه الرَّحمنِ الرَّحيم
وَصَلَّى اللَه عَلى سَيَّدنا وَحَبيبِنا، أبي القاسِمِ المُصطَفى مُحمَّد
وَعَلى آلِه الأطْيَبينَ الأطهَرين الهُداةِ المَعصومين
لاسِيَّما بقيَّةِ اللَه في الأرَضين، أرواحُنا لِتُراب مقدَمِهِ الفداء
وَاللَعنة عَلى أعدائهم وَمُخالِفيهم ومُنكِري حُقوقِهِم وَفَضائِلِهِم وَمَناقِبِهم
إلَى يوم الدّين
قال الإمام الصادق عليه السلام لعنوان البصري: «أمَّا اللَوَاتِي في الرِّيَاضَةِ: فَإيَّاكَ أنْ تَأكُلَ مَا لَا تَشْتَهِيهِ، فَإنَّهُ يُورِثُ الحَمَاقَةَ وَ البَلَه»
استحباب صلاة الليل يعود إلى الرياضة النفسية
تقدَّم في المجالس السابقة بأنَّ دائرة الرياضة التي يذكرها الإمام هي أوسع من مجال المأكولات والمشروبات، بل يمكن القول بأنَّ الرياضة النفسانيّة هي الأصل والأساس في سير وسلوك الإنسان، وهي ما يُعبِّر عنه العظماء في كتبهم وأحاديثهم بالمراقبة، وهي عبارة عن الرياضة الشرعية الموصى بالإتيان بها، والواصلة إلينا عن طريق الشريعة المقدّسة، لا تلك الرياضة المبتدعة من قبل البعض، غير أنَّ بعض الناس ـ وسوف يتم الحديث عن هذا الموضوع بتفصيل أكثر لاحقاً ـ يلتزم بهذه الرياضة الشرعية بينما يُعرض البعض الآخر عنها.
فصلاة الليل ـ على سبيل المثال ـ هي نوع من الرياضة الشرعية؛ لأنَّ الرغبة والشوق لأداء هذه العبادة لا يتحقق لدى الإنسان ما لم يصل إلى درجة من الصفاء والنورانيّة والتعقّل وإدراك المنافع والمصالح المترتّبة عليها، لذا تراه يهجر النوم لأجلها، فنتيجة للتعب الذي يُرهق الجسم، يحتاج الإنسان إلى أخذ قسط من الراحة؛ وهذا ما تقتضيه طبيعته التي خُلق عليها.
فنهوض الإنسان من الفراش قبل ساعة أو ساعة ونصف من أذان الصبح، وبالخصوص في فصل الشتاء، وذلك في الوقت الذي لم تكن فيه وسائل التدفئة الموجودة اليوم متوفرة آنذاك؛ فتوفّر هذه الوسائل اليوم يجعل الإنسان لا يميّز بين الشتاء والصيف إلاّ في الشارع. وأنا أتذكر جيداً شدة البرودة في فصل الشتاء في ذلك الوقت. فقيام الإنسان للتهجد قبل ساعة من أذان الصبح يعتبر أمراً شاقاً لا يستطيع جميع الناس تحمّله.
لذا نرى بعض الناس يعترف صراحةً بعدم امتلاكه المزاج المساعد على أداء صلاة الليل، بينما نرى البعض الآخر يسعى للبحث عن دليل شرعي يدل على عدم لزوم تلك العبادة المؤكَّدة، والتي وردت نصوص شديدة بشأنها؛ كالحديث العجيب عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام الذي يقول فيه: ليس منّا من لم يصلِّ صلاة اللّيل۱. فلمّا كان أولئك الناس لا يمتلكون الجرأة والشجاعة لإخبار الآخرين بكسلهم وتواكلهم عن أداء صلاة الليل؛ لئلاّ يقول عنهم الناس بأنَّهم يأمرون الآخرين بالصلاة وهم لا يأتون بها، تراهم يتذرعون بعدم وجود الوقت الكافي لديهم؛ فهم يتذرعون بأنَّ عليهم القراءة والتحضير للدروس، وأنهم محلّ لمراجعات الناس، وعليهم قضاء حوائج الآخرين، وأمثال ذلك من الذرائع التي يوهمون الناس بها، ويخدعون بها أنفسهم ويحاولون خداع الله بها. غير أنَّهم من الممكن أن يخدعوا الناس ولكنَّ الله لا يمكن أن يُخدع. فلماذا لا تعترف يا هذا بكسلك؟ ولماذا لا تصارح الناس بعدم تمكنّك من القيام بالصلاة؟ ولماذا لا تقول لهم بأنَّك لا تريد أن تصلي صلاة الليل؟
- جاء في وسائل الشيعة، ج ٥، ص ٢۸۰: وفي كتاب (المقنع) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام ليس منّا من لم يصلّ صلاة الليل. وجاء في بحار الأنوار، ج ۷٥، ص ٣۸۰: قال الإمام أبو محمّدٍ الحسنُ العسكريّ عليه السّلام: إنّ الوصولَ إلى اللهِ عزّ و جلّ سفرٌ لا يُدرَكُ إلّا بِامْتِطاءِ الليل.
