
الرياضة ورجوع الإنسان لحالته الأولى
ما هي علّة الحاجة للرياضة الروحيّة؟ وما هي الصفات التي يحبّها النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله في الأطفال؟ وما معنى رجوع الإنسان إلى حالته الطفوليّة الأولى؟ وما هو دور الرياضات الشرعيّة في تحقّق ذلك؟ هي تساؤلات سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى إلى معالجتها مستعرضًا في ضمن ذلك مجموعةً من النكات السلوكيّة والاجتماعيّة المهمّة.
الرياضة ورجوع الإنسان لحالته الأولى
8ـ لقد شاهدناكم تتحدّثون عن هذه المسائل لمدّة ساعة واحدة، وترغّبون الناس وتشجّعونهم وتُحرّضونهم على السير إلى الشام؛ فهل تتوقّعون النجاح في هذه الحرب؟
ـ لقال عليه السلام: إنّنا نذهب إليهم لنرجع بعد ثمانية عشر شهرًا مهزومين، هذا ما سيقوله عليه السلام فيما لو سئل؛ نعم، لم يكن ليقوله لأيّ سائل، بل هو يخبر السائل الذي من أهل السرّ بعد أن يشرط عليه ألاّ يخبر أحدًا.
ـ يا أمير المؤمنين أنت حيث تعلم أنّنا سنهزم بعد ثمانية عشر شهرًا لنرجع بعد تقديم كلّ هؤلاء الشهداء، فلمَ كلّ هذه التحريض؟
ـ إنّها الوظيفة الشرعيّة.. وظيفتي هي محاربة الفساد، وإسقاط الخليفة الظالم عن منبر التبليغ وعرش السلطنة، وإقامة المعروف والنهي عن المنكر .. فأنا أؤدّي هذه الوظيفة وأعلم أنّي لن أصل إلى نتيجة، وسيأتي رجل اسمه عمرو بن العاص ويُدبّر خدعة، وسيقع في حبالها عدّة من المنافقين في جيشي هذا، ويُؤدّي ذلك إلى خسارتي وعودتي من صفّين بغير نتيجة، وكلّ ذلك مسطور في الكتاب.. لا تنبس ببنت شفة! وتعال أنت معي لتؤدّي وظيفتك مثلي، وخذ السيف بيدك، واحمل درعك بيدك الأخرى، وامتط جوادك، وامض إلى ذلك الميدان! فإن قتلت، فأنت شهيد، وإن بقيت، فقد قمت بتكليفك، وعُدت فنلت رضوان الله.
هذا هو منهج أمير المؤمنين عليه السلام وهذه هي حكومته؛ فلننظر إلى أنفسنا أين نحن منه؟ يبنون ويخربون.. كلّ واحد منّا لا بدّ أن يكون كذلك، وكلّ إنسان عليه ـ في كلّ عمل يقوم به ـ أن يسلب عن نفسه الاختيار في أثناء تأديته لذلك العمل... لقد ذكرت هذا المطلب قبل أوانه حيث كنت أنوي أن أشير إليه في نهاية المطاف، وهو يحتاج إلى شيء من التوضيح، وهو ما سنقوم به إن شاء الله في المحاضرة القادمة.
٣ـ اللعب بالتراب (عدم التعيّن)
هذا هو الأمر الثاني، والثالث:يقول رسول الله: وبالتراب يلعبون، فالأطفال يلعبون بالتراب ويأنسون به، وأمّا نحن، فهل نرى التراب من الأساس مع ما عليه حياتنا الآن؟ بل لا تقع حتّى أعيننا عليه، إلاّ إذا ذهبنا إلى الحقول والصحاري؛ فأيدينا لا تصل إليه، ولا علاقة لنا به، بينما نرى الأطفال على صلة وطيدة به، ويشعرون بالقرابة بينهم وبينه، وحتّى لو وضعنا بين أيديهم الأواني الثمينة، لأهملوها واتّجهوا نحو التراب والطين يلهون به، لماذا؟ إنّه بسبب ما بينهم وبين التراب من التجانس، حيث أنّ التراب لا تعيّن له، وإلاّ لماذا أُمرنا أن نسجد على التراب وليس على المعدن أو الخشب؟ لأنّه وحده الذي لا تعيّن له ولا قيمة ولا حدود دون غيره من الموادّ؛ فلو أنّ أحدهم وضع أمامه ألماسًا وسجد عليه، لكانت صلاته باطلة. فالله تعالى لا تعيّن له، وكذا محلّ سجود العبد يجب أن يكون بغير تعيّن؛ ولذا قالوا: لا بدّ أن تكون سجّادة الصلاة بيضاء بسيطة غير ملوّنه ولا مزخرفة، فهذه النقوش التي عليها تُشتّت أذهانكم وحواسّكم، وجميع هذه الأمور باطلة، حيث ينبغي أن يكون محلّ السجود أبيضًا ولا تُرى فيه إلاّ التربة؛ لأنّه لا يمكن أن تكون السجّادة مزخرفة ولا تجذب الذهن نحوها؛ فيكون الإنسان بذلك قد خسر بنفس المقدار.. فلماذا أُمرنا بذلك؟ كي لا تتّجه القلوب نحو المظاهر ونحو الصوارف عن التوحيد.
