
الرياضة ورجوع الإنسان لحالته الأولى
ما هي علّة الحاجة للرياضة الروحيّة؟ وما هي الصفات التي يحبّها النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله في الأطفال؟ وما معنى رجوع الإنسان إلى حالته الطفوليّة الأولى؟ وما هو دور الرياضات الشرعيّة في تحقّق ذلك؟ هي تساؤلات سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى إلى معالجتها مستعرضًا في ضمن ذلك مجموعةً من النكات السلوكيّة والاجتماعيّة المهمّة.
الرياضة ورجوع الإنسان لحالته الأولى
11الرياضات الشرعيّة هي الوسيلة لرجوع الإنسان إلى حالته الأولى وحركته نحو الله تعالى
هذه المسألة التي حدّثتكم عنها هي عبارة عن حقيقة كانت تُرافقنا حال ورودنا إلى الدنيا، ولكن للأسف، ومع مرور الزمان وعلى أثر نموّ الفكر وتطوّر الفهم الناتجين عن التقدّم في العمر، فإنّ هذا التعلّق يتبدّل من المبدأ والماضي إلى المستقبل وما يخصّنا منه؛ وكلّما تضاعف سنّ الإنسان في هذه الدنيا، فإنّه يخسر شيئًا فشيئًا تلك الآثار التي كان يحملها عند وروده إليها. ولا يخفى أنّ الناس يتفاوتون في هذه الحالة؛ فبعضهم يتخلّى عنها مبكّرًا، وبعضهم متأخّرًا، وبعضهم قد لا يتخلّى عنها أبدًا، وهم الأقلّون عددًا؛ فنحن نلاحظ في علاقاتنا مع الناس أنّهم يتفاوتون في سخائهم وصفائهم وصدقهم وأنانيتهم ومنزلتهم وسعيهم وراء مصالحهم ودفعهم للمضارّ التي تواجههم؛ فلا نجد اثنين من الناس في مستوى واحد في ذلك، حيث تجد بعضهم سرعان ما يعفو ويصفح، وبعضهم يعفو ولكن متأخّرًا، وبعضهم يحتاج للتنبيه، وبعضهم لا يحتاج، وبعضهم لا فائدة منه حتّى مع التنبيه... فالناس متفاوتو المراتب والدرجات، وكلّما توغّل الإنسان في هذه الدنيا، كلّما اتّسعت الهوّة بينه وبين ذلك المبدأ وتلك الحالة التي رافقت مجيئه للدنيا. وللوصول إلى المبدأ والرجوع إليه والسير إلى الله والحركة في طريق التكامل، على الإنسان أن يزيل هذا البعد والتنافر في كلّ مورد من موارده؛ وما لم يقم بذلك، فلن يحصل على أيّة نتيجة، وهذا هو أصل المسألة وأساسها! أي لا بدّ من الرجوع إلى تلك الحالة التي كنّا عليها لحظة خروجنا من بطون أمّهاتنا، وإلى تلك الخصوصيّات التي كنّا نحملها عند ولادتنا، ولكن الفرق أنّها كانت آنذاك في مرتبة الاستعداد وعدم النضج، وكانت بدون كسب، وأمّا الآن، فلا بدّ من الرجوع إليها ولكن مع كسب، ومن خلال الرياضات الشرعيّة والتغيير النفساني المستند إلى مباني الشرع، لا أن يقوم الإنسان بكلّ ما يحلو له في سبيل ذلك، بل لا بدّ أن تتحقّق هذه التغيّرات على أساس الشرع حتّى الوصول إلى نقطة: {إنّا إليه راجعون}؛ أي أنّ تلك الخصائص التي كانت لدينا في الطفولة والمتعيّنة خارجًا في هذه الدنيا من حيثيّة {إنّا لله} هي الآن تحصل لنا مرّة أخرى عند الرجوع إلى الله والرجوع لذلك المبدأ، لكن بواسطة الكسب والفعليّة؛ وهذه هي الغاية من خلق الإنسان! فغاية خلق الإنسان ومقصده هو أن يُعيد ـ من خلال الرياضات الشرعيّة ـ إظهار تلك الصفات والأسماء الإلهيّة المودعة في نفسه والتي أحضرها معه إلى هذه الدنيا بنحو الاستعداد ومن غير نضج ولا تكامل؛ فيصير بذلك إنسانًا كاملاً.
