
الرياضة ورجوع الإنسان لحالته الأولى
ما هي علّة الحاجة للرياضة الروحيّة؟ وما هي الصفات التي يحبّها النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله في الأطفال؟ وما معنى رجوع الإنسان إلى حالته الطفوليّة الأولى؟ وما هو دور الرياضات الشرعيّة في تحقّق ذلك؟ هي تساؤلات سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى إلى معالجتها مستعرضًا في ضمن ذلك مجموعةً من النكات السلوكيّة والاجتماعيّة المهمّة.
الرياضة ورجوع الإنسان لحالته الأولى
2أعوذُ بِاللَه مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيم
بِسمِ اللَه الرَّحمنِ الرَّحيم
وَصَلَّى اللَه عَلى سَيَّدنا وَحَبيبِنا، أبي القاسِمِ المُصطَفى مُحمَّد
وَعَلى آلِه الأطْيَبينَ الأطهَرين الهُداةِ المَعصومين
لاسِيَّما بقيَّةِ اللَه في الأرَضين، أرواحُنا لِتُراب مقدَمِهِ الفداء
وَاللَعنة عَلى أعدائهم وَمُخالِفيهم ومُنكِري حُقوقِهِم وَفَضائِلِهِم وَمَناقِبِهم
إلَى يوم الدّين
تقدّم في الجلسة الماضية أنّ الإمام الصادق عليه السلام كان يقول لعنوان: «وأمّا الثلاثة التي في رياضة النفس فإيّاك أن تأكل ما لا تشتهيه»، وقد أشرنا ـ كما يذكر الرفقاء ـ أنّ بحث الرياضة هو بحث عامّ، وإن كان الإمام الصادق عليه السلام قد تعرّض هنا للمأكولات والمشروبات اللذين لا يشكّلان سوى دائرة صغيرة منها، ولكنّ الرياضة في مفهومها العامّ هي التي يريدها الإمام عليه السلام، حيث بإمكاننا أن نعثر في طيّات هذه العبارات على مجموعة من المسائل المرتبطة بالرياضة من حيث مفهومها العامّ والشامل. وبداية، نشير باختصار إلى ما كنّا قد ذكرناه فيما سبق لكي يتسنّى لنا الدخول في هذه المسألة الحسّاسة في السير والسلوك، والتي تحظى بأهمّية أيضًا على المستويين الشخصي والاجتماعي.
علّة الحاجة للرياضة الروحيّة
ما تحصّل ممّا سبق ويُشكّل مقدّمة لما سيأتي هو: أنّ ضرورة الرياضة تنشأ من كون الإنسان قد تنزّل من عالم التجرّد والانبساط إلى عالم الكثرات والشهوات والمادة، فتشكّلت نفسُه وتأثّرت بها، فظهرت علاماتها على وجناته وأحواله؛ فحين ننظر إلى وجه طفل صغير رضيع، كم نلحظ فيه من النورانيّة؟ ومن الصفاء وعدم التعلّق؟ ومن الإحساس بالمحبّة للجميع والصدق والإخلاص...؟ فكلّ ذلك هو من لوازم ذلك العالم من التجرّد والفناء والتوحيد، وعندما يولد الأطفال، فإنّنا نشعر بالأنس بهم؛ لماذا؟ لأنّهم لا تعلّق لهم، فإن أراد هذا أن يحتضنه لا يرفض، وإن أراد ذاك لا يرفض أيضًا، وسواءً وضعوه على الأرض أو على السرير، فإنّه لا يمانع؛ وهذا أمر جميل بالنسبة للإنسان .. ونذكر كلّ هذا بعنوان مدخل. أمّا إذا كبر الإنسان، فتراه إن دخل مجلسًا ولم يقفوا له، تأذّى، وإن لم يعظّموه، تأذّى، وإن خُصّص له مقعد أدنى شأنًا ممّا يستحقّ، تأذّى؛ فحينما كان طفلاً، لم يكن يتأذّى، ولكنّنا نجده الآن يتأذّى؛ فمن أين نشأ هذا التفاوت وما سببه؟ لماذا كنّا نأنس بهذا الإنسان عندما كان طفلاً؟ لأنّه لم يكن لديه هذه الإحساسات، ولم يكن يتأذّى ولا ينتصر لنفسه، ونحن نشعر بذلك؛ ولو كان للطفل حين ولادته تلك الحالات التي تبرز في سنّ الأربعين والخمسين والتي تتضاعف كلّما تقدّم به العمر، لما كنّا نأنس به. فحالات التوغّل في الكثرات والأهواء النفسانيّة والانغماس في الرغبات الدنيويّة تزداد كلّما تقدّم العمر؛ على عكس قوى البدن التي تزداد في التحلّل مع تقدّم السنّ. فتلك الأنانيّة التي يمتلكها شخص يبلغ التسعين، وهو مقعد ولا يستطيع المشي ويتّكئ على من حوله أثناءه.. وتلك الكدورة النفسانيّة والظلمة الشيطانيّة البادية على وجناته والتي يصحبها دائمًا لا يمتلكها الطفل ذو السنوات العشر أبدًا؛ والحال أنّ حركته الجسديّة أقوى من حركة هذا في الركض والمشي والأعمال الظاهريّة.. هذه هي حالة الشاب ذي العشرين سنة، غير أنّه يخلو من تلك الكدورة؛ فما السبب في ذلك؟ السبب في ذلك أنّ التوجّه إلى ذلك العالم يؤدّي إلى اتّصاف الإنسان بصفات تخالف تلك التي يتّصف بها من يتوجّه إلى هذا العالم؛ ففي التوجّه إلى ذلك العالم، هناك الصفاء والتوحيد والصدق والإخلاص.. ولا وجود هناك للأنانيّة، ولا وجود لـ "أنا" و"أنت"، ولا تفاضل هناك على أساس الميول والاعتبارات الشهوانيّة؛ فذلك العالم هو عالم البهاء والنور والوحدة، وعالم الاستقامة وانتفاء النفاق، والجلوس على سفرة واحدة، وعدم التمييز بين الصغير والكبير. لكن ما إن نأت إلى هذا العالم، حتّى تواجهنا أضداد ذلك؛ فلا خبر عن الصدق ولا عن الإخلاص. ولو كان جميع من في هذا العالم من أهل الصدق والإخلاص، لما كنّا نشهد فيه كلّ هذه النزاعات وأنواع التهم.. فأين ذلك من الصدق والإخلاص والصفاء؟ فهنا الشيطان والدنيا والنفس والإبعاد والإعدام والإبادة، وهناك الجذب وإظهار المحبّة.. هنا محوريّة الذات، وهناك محوريّة الله.. هنا الحدود والحواجز، وهناك رفع الحدود والحواجز وإزالة الماهيّات.
