
الرياضة ورجوع الإنسان لحالته الأولى
ما هي علّة الحاجة للرياضة الروحيّة؟ وما هي الصفات التي يحبّها النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله في الأطفال؟ وما معنى رجوع الإنسان إلى حالته الطفوليّة الأولى؟ وما هو دور الرياضات الشرعيّة في تحقّق ذلك؟ هي تساؤلات سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى إلى معالجتها مستعرضًا في ضمن ذلك مجموعةً من النكات السلوكيّة والاجتماعيّة المهمّة.
الرياضة ورجوع الإنسان لحالته الأولى
12وعليه، فللرجوع من عالم التوهّم والتخيّل والاعتباريّات، وللخروج من النفس والتلذّذات النفسيّة والشهوات والرئاسات ومن كلّ ما يوجب بعُدنا عن تلك العطايا الإلهية، لا بدّ لنا من الرياضة؛ وهذا ما يريده الإمام الصادق عليه السلام في حديثه إلى عنوان. فالرياضة التي خصّها الإمام بالذكر في هذه الفقرة بقسم المأكولات هي عبارة عن حركة الإنسان وتحوّله وتبدّله الذي يُعدّ كمقدّمة ضروريّة للعبور من النفسانيّات والوصول إلى تلك النقطة من التكامل؛ ومن لم يقم بهذه الرياضات، فلو عاش تسعين عامًا ـ بل تسعين ألف عام ـ في هذه الدنيا، لما رجع إلى تلك الصفات الأولى قيد أنملة؛ فلا بدّ للرجوع إليها من الرياضة، ولا بدّ من إيجاد التغيير والتحوّل! فالصلاة وحدها لا تكفي، والصوم لا يكفي، وأداء العبادات بنحو ظاهري لا يكفي؛ ولا يعني ذلك ألاّ نقوم بها، بل إنّ الصلاة الظاهريّة هي التي لا تكفي؛ نعم، الصلاة تؤدّي إلى عبور الإنسان إذا أُقيمت بشرطها وشروطها، والصوم يحرّك الإنسان إذا تمّ أداؤه وفقًا لشروطه؛ ولذا عندما يصوم الإنسان ويلتزم بالامتناع عن بعض الصوارف في شهر رمضان، فإنّه يلمس آثاره، وحتّى في الصلاة يمكن أن نلمس ذلك؛ فلو أنّكم صليّتم على سجّادة بيضاء، ستكتشفون كم ستختلف آثار هذه الصلاة عمّا لو كانت على سجّادة مزركشة؟ ما هو السبب في ذلك مع أنّ كليهما صلاة؟! لأنّ هذه الصلاة خالية عن التوجّه إلى الدنيا، فتكون لها آثار خاصّة، وتلك الصلاة فيها زينة وأشكال ونقوش، فتكون لها آثار أخرى، وتلك الصلاة التي تكون أمام محراب مزخرف بالنقوش المشبّكة والأشكال التي تصرف ذهن الإنسان لها آثارها الخاصّة، وتلك الصلاة التي يتوجّه فيها الإنسان إلى المبدأ بغير صارف لها آثار أخرى. اذهبوا الآن إلى مسجد الكوفة وقارنوا بين المحرابين اللذين بُنيا لأمير المؤمنين، حيث أنّ أحدهما مزيّن ومزخرف بالذهب والزجاج، وأمّا الآخر فهو عبارة عن مجرّد أحجار؛ فمن يصلّي في هذا يجد آثارًا تختلف عمّن يصلّي في ذاك.. صحيح أنّ أمير المؤمنين صلّى في ذاك أكثر، غير أنّ هذا المكان يتأثّر بما أُحدث فيه من الزينة.
