
الأضرار النفسيّة والاجتماعيّة لتضخيم الشخصيّة
ماهي الأضرار النفسيّة للتلقّب بالألقاب المُكبّرة للنفس؟ هل يُمكننا التذرّع بمثل عليّ بن يقطين للانخراط في الحكومات الجائرة؟ ما هي الأخطار الناجمة عن مدح الإنسان؟ ما هي الأضرار المترتّبة على تضخيم الشخصيّة؟ هل إنّ حقّ التفكير والاختيار مختصّ بفئة خاصّة؟ ما هو الفارق بين مدرسة العرفان وبقيّة المدارس؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لتكملة شرح فقرة «قلتُ: يا شَريفُ! فقال: قُلْ يا أباعبداللَه» من حديث عنوان البصريّ الشريف؛ وذلك في ضمن بيانه لمجموعة من القصص والنكات الشيّقة الأخرى.
الأضرار النفسيّة والاجتماعيّة لتضخيم الشخصيّة
3كان المرحوم السيّد جمال الدين الكلبايكاني يحكي هذه القصّة لوالدنا رحمة الله تعالى عليه، ويقول: كان القائم مقام الرشتيّ (وكان يُسمّى بالقائم مقام رفيع) من المسؤولين في العهد السابق، وكان من أهل الصلاة والصيام، ومتعبّدًا بالأحكام الشرعيّة، فكان يُراعي هذه المسائل تمامًا؛ ولهذا، كان يحظى من هذه الناحية باهتمام جميع الطوائف والناس في البلد على العهد السابق، سواءً في زمن رضا شاه، أو ابنه محمّد رضا شاه؛ وحينما أراد رضا شاه مغادرة إيران، أوصى ابنه بمجموعة من الوصايا؛ فأمره أن يعتمد على فلان، ويستشير علاّن، ويستعين بذاك؛ ومن بين هذه الوصايا، طلب منه ألاّ يغفل أبدًا عن استشارة القائم مقام، والاستفادة من آرائه وتجاربه؛ كما كان القائم مقام رفيع يحظى باهتمام العلماء أيضًا، حيث كان للكثير منهم علاقة به، ويتردّدون عليه؛ لكن، في الوقت ذاته، كان محسوبًا على جهاز الحكم في عهد رضا شاه، ومحمّد رضا شاه بعد ذلك؛ لكن، يُقال إنّه قطع علاقته بمحمّد رضا شاه في أواخر حياته، وغضب منه، ولم يُعد له أيّ ارتباط به، وقضى الأيّام الأخيرة من عمره في البيت، بعيدًا عن التدخّل في الشؤون السياسيّة؛ فهذا ممّا يلزم ذكرُه أيضًا! وعلى أيّ تقدير، فقد كان رجلاً ناضجًا، ويمتلك تجارب كثيرة، ومتعبّدًا بالأحكام الظاهريّة، ولكنّه كان أيضًا محسوبًا على النظام الجائر، ويحظى برعايته؛ وهذه بحدّ ذاتها مسألة ينبغي النظر فيها. ذات يوم، تشرّف القائم مقام رفيع بالسفر للعتبات المقدّسة، فذهب لزيارة السيّد جمال الدين الكلبايكانيّ رضوان الله تعالى عليه؛ وقد كان المرحوم السيّد جمال رجلاً صريحًا وواضحًا جدًّا، فكان يُبيّن المسائل بكلّ صراحة، من دون أن يخاف من تبعات ذلك؛ كأن ينزعج الطرف الآخر مثلاً؛ بل كان صريحًا جدًّا. فجلس، وبدأ يقول له: «ما هو سبب انتمائك لهذا النظام؟ لماذا تعمل في الحكومة الجائرة؟»؛ فقال له: «يا سيّدي! ما هي المشكلة في انتماء الإنسان لهذا النظام، ومساعدته للمحرومين، وقيامه ببعض الأعمال بقدر المستطاع؟»؛ ونفس هذه التبريرات التي نذكرها نحن، ومتداولة بيننا.
وحضرتني الآن مسألة مثيرة للاهتمام كثيرًا؛ فقبل عدّة أيّام، كنت أطالع نهج البلاغة، فوقعت عيني على إحدى كلمات أمير المؤمنين عليه السلام؛ وكانت عجيبة حقًّا! حيث جاءه أحدهم، وأحضر له هديّة، لكنّها كانت في الحقيقة من باب الرشوة، وتحصيل نفع مادّي؛ إذ لم يكن عليه السلام الذي تغيب عنه هذه المسائل؛ فما إن أتاه ذاك [بالهديّة]، حتّى أدرك حكايتها من أوّلها وآخرها ووسطها وكلّ الأمور المتعلّقة بها؛ بل قبل أن يصل عنده، كان ملفّه مسجّلاً عنده! فطرق الباب، وولج إلى الداخل، فقال له الإمام: «ماذا أحضرت معك؟»، فقال له: «هذا الذي أحضرته معي»؛ فقال له: «هل هذه صدقة أم زكاة؟ إن كانت كذلك، فإنّنا لا نأخذها؛ فلماذا أتيتني بها؟ فنحن لا نقبل الصدقة، ولا الزكاة»؛ فقال له: «لا، يا أمير المؤمنين! بل هديّةٌ»؛ فقال له عليه السلام: «اصمت!»، ولم يدعه يتكلّم؛ وهنا، لا تحضرني نفس عبارات نهج البلاغة؛ لكنّها جاءت بهذا المضمون: «أ بدين الله تُريد أن تغترّني؟»۱؛ هل تُريد أن تقول: إنّها هديّة، حتّى تخدعني؟ قم، واذهب بها من هنا! هل تسعى لاستخدام دين الله تعالى من أجل خداعي؟ لقد جئت بهذه الرشوة لكي تتمكّن من تحقيق مطامعك ومصالحك، ثمّ تأتي، وتُسمّيها هديّة؟! وهكذا جاء في نهج البلاغة؛ أي أنّه ادعّى كونها هديّة.
- وردت هذه الحكاية في خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام بالنحو الآتي: «وَأَعْجَبُ بِلَا صُنْعٍ مِنَّا مِنْ طَارِقٍ طَرَقَنَا بِمَلْفُوفَاتٍ زَمَّلَهَا فِي وِعَائِهَا، ومَعْجُونَةٍ بَسَطَهَا فِي إِنَائِهَا، فَقُلْتُ لَهُ: أَ صَدَقَةٌ أَمْ نَذْرٌ أَمْ زَكَاةٌ؟ وكُلُّ ذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْنَا أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وعُوِّضْنَا مِنْهُ خُمُسَ ذِي الْقُرْبَى فِي الْكِتَابِ والسُّنَّةِ؛ فَقَالَ لِي: لَا ذَاكَ ولَا ذَاكَ، ولَكِنَّهُ هَدِيَّةٌ؛ فَقُلْتُ: لَهُ ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ! أَ فَعَنْ دِينِ اللَّهِ تَخْدَعُنِي بِمَعْجُونَةٍ عَرَّقْتُمُوهَا بِقَنْدِكُمْ، وخَبِيصَةٍ صَفْرَاءَ أَتَيْتُمُونِي بِهَا بِعَصِيرِ تَمْرِكُمْ؟ أَ مُخْتَبِطٌ، أَمْ ذُو جِنَّةٍ، أَمْ تَهْجُرُ؟ أَ لَيْسَتِ النُّفُوسُ عَنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مَسْئُولَة؟» (بحار الأنوار، ج ٤۰، ص ٣٤۸). المعرّب
