
الأضرار النفسيّة والاجتماعيّة لتضخيم الشخصيّة
ماهي الأضرار النفسيّة للتلقّب بالألقاب المُكبّرة للنفس؟ هل يُمكننا التذرّع بمثل عليّ بن يقطين للانخراط في الحكومات الجائرة؟ ما هي الأخطار الناجمة عن مدح الإنسان؟ ما هي الأضرار المترتّبة على تضخيم الشخصيّة؟ هل إنّ حقّ التفكير والاختيار مختصّ بفئة خاصّة؟ ما هو الفارق بين مدرسة العرفان وبقيّة المدارس؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لتكملة شرح فقرة «قلتُ: يا شَريفُ! فقال: قُلْ يا أباعبداللَه» من حديث عنوان البصريّ الشريف؛ وذلك في ضمن بيانه لمجموعة من القصص والنكات الشيّقة الأخرى.
الأضرار النفسيّة والاجتماعيّة لتضخيم الشخصيّة
14الفارق بين مدرسة العرفان وبقيّة المدارس
فهذا هو منهج الأولياء؛ إذ لا يوجد في منهجهم: «اصمت، لا تنبس ببنت شفة، لا تتكلّم!»؛ اذهبوا، وطالعوا كتاب الروح المجرّد، وسترون ماذا كان المرحوم العلاّمة يقوله لأحبّائه وتلامذته بشأن السيّد الحدّاد: اذهب أيّها السيّد وتحدّث مع السيّد الحدّاد، وناقشه! أ لم يقل ذلك لأحدّ أحبّته في طهران؛ أي حضرة آية الله السيّد إبراهيم الكرمانشاهيّ حفظه الله تعالى؛ وهو رجل فاضل وعظيم جدًّا، ومن الناس الطيّبين حقًّا، وذوي النيّات الصافية والسجّية الطاهرة، ومن أهل الله تعالى.. ندعو الله تعالى أن يُكثّر من أمثاله بين المسلمين؛ فحينما سأل المرحوم العلاّمة عن السيّد الحدّاد، لم يقل له: «هذا هو رأيي عنه، وعليك ...»؛ حسنًا، هذا الرأي يخصّك أنت، فما شأني بذلك؟ لكن، ما هو الواجب عليّ أنا فعله؟
فلم يقل له: «لقد أوحي إليّ أنّ السيّد الحدّاد كذا». حسنًا، لقد أوحي إليك أنت، وليس إليّ أنا؛ ولم يقل له: «لقد رأيت في المنام أنّ السيّد الحدّاد مثلاً كذا وكذا»؛ لأنّه سيقول له: «حسنًا، أنت رأيت ذلك في المنام، وأمّا أنا، فلم أره»؛ وانتهى الأمر، أي أنّ الطريق حينئذ سيكون مسدودًا؛ ولم يقل له: «أنا الآن أشعر بذلك»؛ لأنّه سيقول له: «أنا لا أشعر به؛ وعليّ أن أشعر به بنفسي؛ فإذا كنت تشعر أنت بذلك، فاذهب عند السيّد الحدّاد، فأنت أعلم بحالك، والله أعلم بك».
لقد نطق بكلام يتطابق مع كلام الأنبياء، حينما يقولون: «تعالوا، تعالوا وانظروا، تعالوا واسألوا، فإذا ارتضيتم هذا الكلام، فآمنوا، وإذا لم ترتضوه، فلديكم حجّة عند الله تعالى»؛ فقام، وذهب عند السيّد الحدّاد، وتحاور معه، وصار مقتنعًا حينما رأى بأنّه يُخبر عن الباطن والظاهر، ويتحدّث عن المسائل العلميّة المبثوثة في كتابي الفتوحات والفصوص لمحيي الدين، وكتاب الأسفار لصدر المتألّهين؛ وهي مسألة غير هيّنة يا عزيزي! حيث يأتي رجل درس كتاب جامع المقدّمات فقط، ولم يصل حتّى إلى كتاب السيّوطي، ويُثير أعوص المسائل العرفانيّة المطروحة في كتاب الفتوحات وكتب الملاّ صدرا، ويُشكل عليها؛ فهذا ليس أمرًا هيّنًا. لقد كانوا يأتون عنده، ويتحدّثون معه، فينتهي الأمر؛ وهذا هو منهج العرفان؛ وفي هذه الحالة، تعالوا، وانظروا الفارق بين مدرسة العرفان، وبين بقيّة المدارس والتيّارات؛ فطريق العرفان مفتوح، ويحتضن الجميع؛ فهو يُرحّب بالشيعيّ، والسنّي، واليهوديّ، و...، ويقول: تعالوا بأجمعكم، واسمعوا كلّكم، وافهموا جميعًا، وفكّروا بأسركم، ثمّ اتّخذوا قراركم بعد ذلك. فحينما يلتقي باليهوديّ، لا يعبس، ولا يُقطّب في وجهه؛ لأنّه عبد من عبيد الله تعالى أيضًا؛ وحينما يصل إلى المسيحيّ، لا يستقبله بوجه متجهّم، ولا يقول: «ما هذا؟ إنّه مسيحيّ! اذهب من هنا، ارحل من هنا، لا تلمس أيّ شيء، فأنت نجس!»؛ لا يا عزيزي، فأوّلاً، المسيحيّ واليهوديّ غير نجسين؛ وثانيًا، إنّهما من البشر؛ وكما جاء الدين لأجلنا نحن، فقد جاء لأجلهما أيضًا؛ وإلاّ، فلمن أتى الرسول بهذا الدين؟ فنحن لم نكن متواجدين في تلك الفترة، حتّى ندّعي بأنّنا وُلدنا من أبوين مسلمين؛ بل إنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم أتى بهذا الدين لأولئك اليهود والنصارى الذين جعلونا مسلمين إلى هذا العصر؛ أي أنّهم أسلموا، وصارت الأجيال من بعدهم مسلمة، إلى أن وصل الدور إلينا؛ ثمّ نأتي نحن، ونفتخر مجّانًا بكوننا مسلمين؛ أي أنّنا وُلدنا مسلمين من تلقاء أنفسنا، وبشكل فطريّ؛ ومن هنا، فإنّ هذا الدين حيّ الآن، وهذا الطريق مفتوحٌ الآن للجميع: للمُلحِد، واليهوديّ، والبوديّ، والشيوعيّ، وأبوابُه مشرعةً أمام كلّ الجنسيّات: أمام الفرنسيّ، والأمريكيّ، والصينيّ، واليابانيّ؛ فكلّ من أتى، فهو مُرحّب به، وأيّ واحد اعتقد بهذه المباديء، وقَبِل بهذه المسائل، فهو في كنف الإسلام؛ وكلّ من لم يأت، فقد أغلق على نفسه طريق الحقّ والحقيقة، وحرمها من هذه النعمة؛ فهذا هو دين الرسول، ودين الأئمّة. فحينما كان يأتي ذلك الشابّ النصرانيّ عند النبيّ، ويُسلم، ويقول: «أبواي نصرانيّان»، ويُريد الرجوع، هل كان الرسول يقول له: «لا تنظر إليهما من الآن فصاعدًا! ولا تمدّ يديك إلى طعامهما! ولا تعتن بهما بتاتًا! والجأ إلى سبّهما، وشتمهما، ومواجهتهما بكلام بذيء!»؟ لا، بل كان يقول: «زد من محبّتك لهما، وابتسم في وجهيهما أكثر»؛ فهذه هي أوامر النبيّ، وليست أوامري أنا.
