
السالك في مواجهته للمدح والثناء
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ لتتمّة شرح فقرة «قلتُ: يا شَريفُ! فقال: قُلْ يا أباعَبد اللهِ» من حديث عنوان البصريّ الشريف، تحدّث سماحته بدايةً عن أهمّية مراعاة المراتب في مدرسة التشيّع حتّى بين المعصومين الأربعة عشر، ثمّ تطرّق بعد ذلك لمعنى وصف الإمام الحسين عليه السلام بثار الله، واختصاصه به، وعدم جواز إرادة المعنى الوصفيّ عند تسمية البعض بعين الله أو يد الله؛ ليُعرّج عندئذ على مسألة ضرورة تعامل السالك بحزم مع مدح الناس له، وأهمّية أخذه زمام المبادرة في الأمور السلوكيّة؛ مستعرضًا في ضمن ذلك بعض القصص والنكات السلوكيّة المهمّة الأخرى
السالك في مواجهته للمدح والثناء
الوصف:
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ لتتمّة شرح فقرة «قلتُ: يا شَريفُ! فقال: قُلْ يا أباعَبد اللهِ» من حديث عنوان البصريّ الشريف، تحدّث سماحته بدايةً عن أهمّية مراعاة المراتب في مدرسة التشيّع حتّى بين المعصومين الأربعة عشر، ثمّ تطرّق بعد ذلك لمعنى وصف الإمام الحسين عليه السلام بثار الله، واختصاصه به، وعدم جواز إرادة المعنى الوصفيّ عند تسمية البعض بعين الله أو يد الله؛ ليُعرّج عندئذ على مسألة ضرورة تعامل السالك بحزم مع مدح الناس له، وأهمّية أخذه زمام المبادرة في الأمور السلوكيّة؛ مستعرضًا في ضمن ذلك بعض القصص والنكات السلوكيّة المهمّة الأخرى
السالك في مواجهته للمدح والثناء
12كنت في إحدى المدن، وبينما نحن نمشي [في السيّارة]، وإذا بنا نرى سيّارة أخرى في الشارع تُشير إلينا بالمصباح، فتوقّفت تلك السيّارة، وكان السائق لونه شاحبًا؛ هذا، مع أنّنا لم نكن نعلم بعدُ بما حصل، فرأينا صاحب تلك السيّارة يضرب على رأسه، وجاء إلينا، وقال للسائق: «هل تعلم ما الذي حصل؟ لقد وقع لفلان حادث تصادم في الطريق، وجاؤوا به إلى مشرحة هذه المدينة ـ وقد كان السائق مصدومًا ـ حيث كان مسافرًا بسيّارته من هذه المدينة إلى مدينة أخرى، فوقع له حادث تصادم في وسط الطريق، وأسلم الروح»؛ لكن، قبل أن يتفوّه السائق بأيّة كلمة، قال صاحب تلك السيّارة: «يا فلان! ما الذي سنفعله في أواني الطعام والموادّ الغذائيّة؟ لقد طلبت منهم أن يُهيّؤوا الخضروات، فمن الذي سيُحضرها؟»؛ فما إن سمعته يقول هذا الكلام، حتّى قلت بشكل لا إراديّ: «ما زال خبر موت فلان لم ينتشر، وهذا يسأل عن الخضروات والكرنب و... !!!»؛ فكان يقول: «ماذا نفعل بخصوص الكرنب؟ وكيف نأتي بالخضروات؟ و...!!»؛ فجثّة ذلك الميّت في المشرحة، بينما يضرب هذا على رأسه! ولا أعلم لأجل ماذا يضرب على رأسه؛ هل لأجل الميّت، أم لأجل مصيبة أعظم ستحلّ به لمدّة ثلاثة أيّام، وبسبب الاحتفاء بالذكرى الأسبوعيّة، والأربعينيّة، والسنويّة؟ مع أنّ البعض يُريحون أنفسهم، ويقولون: «سنُنفق أموال الحقوق الشرعيّة في مصارفها»؛ فيتمكّنون بهذه الطريقة من التخلّص ـ ولله الحمد ـ من نفقات هذه المجالس؛ لكنّ البعض الآخر لا يتمكّنون من ذلك على ما يبدو، فتقع على عهدتهم تلك النفقات، ويصير أجرهم مضاعفًا! فمن جهة، هناك مصيبة فقدان الميّت، ومن جهة أخرى، تحلّ بهم عشرة أضعاف هذه المصيبة جرّاء المشاكل التي تأتي بعد الوفاة؛ فهذه هي السُنّة!!
ثمّ قال [المرحوم العلاّمة]: لا تحتفوا بذكرى أربعينيّتي؛ لأنّ الأربعين مختصّ بسيّد الشهداء؛ وأمّا ما نرى شيوعه الآن ـ للأسف ـ بين المسلمين، فهو بدعة؛ وقد كان رأيي في السابق أيضًا أنّ إقامة الأربعين للمتوفّى لا تتوفّر على أيّ دليل شرعيّ، بل الدليل على خلافها؛ باعتبار أنّ الأربعين من علامات المؤمن؛ وأنّه لا يُحتفى حتّى بأربعينيّة رسول الله، مع أنّه جدّ سيّد الشهداء، وهو أفضل منه؛ ولا يُحتفى أيضًا بأربعينيّة أمير المؤمنين، مع أنّه استُشهد وارتحل إلى جوار ربّه بسبب ضربه على مفرقه الشريف؛ فالأربعين مختصّة بسيّد الشهداء؛ أي أنّ مكانة الإمام الحسين عليه السلام وخصائصه الروحيّة والنفسيّة تقتضي ضرورةَ أن يمرّ أربعون يومًا على حادثة كربلاء، لكي تحصل في اليوم الأربعين ثلّة من المسائل، وتتحقّق مجموعة من المراتب الكماليّة، وتتجدّد ذكرى شهادته عليه السلام في القلوب بنحو آخر؛ وهذا لا ينطبق على بقيّة الأئمّة؛ ومن هنا، فإنّ قول البعض بعدم وجود إشكال في إقامة الأربعين؛ لأنّه عبارة عن ذكر للميّت، ويُقام بصفته من أمور الخير، ورجاءً، و... ، هو قول باطل بأجمعه؛ فإذا أردتم أن تذكروا الميّت، فأقيموا له الثلاثين، واذكروه بعد ثلاثين يومًا، أو بعد ستّة أشهر؛ فإذا أردنا أن نُقيم مجلس عزاء وترحيم لميّت، لماذا نجعله في الأربعين؟ ولماذا نتدخّل في حريم سيّد الشهداء عليه السلام؟ ولماذا نُسرّي هذه العلامة التي تختصّ بالمؤمن إلى باقي الناس؟ يقولون: «الأربعينيّات منتشرة بكثرة؛ فكما أنّ الإمام الحسين له أربعينيّة، فإنّ للآخرين أيضًا أربعينيّات؛ ولهذا، سنقيم بدورنا نحن الأربعين»؛ لكن، على الإنسان الذي يعدّ نفسه شيعيًّا أن يمشي في الطريق الذي أمضاه أولياء الدين؛ فهل سمعتم لحدّ الآن أنّ أحد الأئمّة عليهم السلام طيلة حياتهم ـ أي مائتين وخمسين سنة ـ أمر بالاحتفاء بذكرى أربعينيّة والده أو أحد من أصحابه، وإقامة مجلس عزاء لأجل ذلك؟ في حين أنّ هذا المسألة كان مختصّة فقط وفقط بالإمام الحسين. وهل سمعنا أنّ الإمام الصادق عقد مجلس ترحيم في أربعين الإمام الباقر عليه السلام؟ فغاية ما قاله الإمام الباقر عليه السلام: «أقيموا مجلس عزاء عنّي في منى لمدّة عشرة أيّام»؛ فلماذا لم يقل: لمدّة أربعين يومًا؟ ولماذا لم يقل عليه السلام: اعقدوا لي مجلس أربعين؟ لأنّ الأربعين مختصّ بالإمام الحسين؛ والإمام الباقر لا يأمر بما يُخالف السنّة. وحينما أمر الإمام الرضا بقراءة العزاء له، هل سمعتموه يقول: عليكم أن تعقدوا مجلس عزاء في أربعينيّتي؟ فطيلة هذه المائتين وخمسين سنة التي تُمثّل تاريخ حياة الأئمّة عليهم السلام، هل لدينا شاهد واحد على أنّهم أكّدوا على الاحتفاء بمجالس الأربعين لآبائهم أو أصحابهم، أو أمروا بعقدها للآتين؟ إذن، فأيّة سنّة هذه جرى إحداثُها؟ إنّها بدعة، وعلى الشيعيّ أن يمتنع عن المشاركة في مجالس الأربعين! ولهذا، فإنّنا لم نُقم له أربعينيّة. وحتّى بالنسبة للذكرى السنويّة، فقد كان يقول باختصاصها بالإمام؛ لكنّها لا تصل إلى مستوى الأربعين؛ ولهذا، على الرفقاء والأحبّة ألاّ يقتصروا على عدم إقامة مجالس الأربعين لأنفسهم، بل عليهم أيضًا أن يُنبّهوا أقاربهم إلى ذلك إذا أرادوا إقامتها لأمواتهم، ويمنعوا من عقد هذه المجالس إذا وجدوا إلى ذلك سبيلاً؛ وما هي العلّة في ذلك؟ علّته أنّنا ملزمون بالحفاظ على الحدود والثغور؛ وحتّى إذا قيل: إنّ هذا من باب ذكر المؤمن والمحافظة على ذكراه، وهو أمر ينبغي احترامه في جميع الأحوال؛ فإنّنا نقول: اجعلوا ذلك في وقت آخر.
