
العبوديّة شرف الإنسان
كيف تؤثّر قوّة الخيال في الإنسان؟ وهل يُمكن للعبادة أن تُؤثّر من دون عبوديّة؟ هل يجوز إقامة الذكرى السنويّة لغير المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام؟ وما هو موقف العظماء من المدح والتلقّب بالألقاب؟ وهل يُمكن إطلاق عبارات من قبيل حسين العصر وعليّ الزمان؟ وأين يكمن شرف الإنسان وفخره؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرة «قلتُ: يا شَريفُ! فقال: قُلْ يا أباعبدالله. قلتُ: يا أباعبدالله! ما حَقيقةُ العُبوديَّة؟» من حديث عنوان البصريّ الشريف.
العبوديّة شرف الإنسان
9وخلاصة القول، قالت تلك السيّدة: «لم يُبد السيّد العلاّمة أيّ اهتمام بتلك الهديّة، وأمر بردّها؛ وبعد مرور يومين أو ثلاثة، رأيت بأنّ الأوضاع هدأت قليلاً، وصارت أفضل، فنادى عليّ بنفسه، وقال لي بهدوء نوعًا ما: هذا التصرّفات غير صحيحة، وعلى الإنسان أن يقصر نظره على المدرسة، وينظر إلى اللبّ؛ فوحدها شخصيّة الإمام مطروحة هنا، و...»؛ لاحظوا معي، فهذه هي المسألة التي علينا أخذُها بعين الاعتبار.
موقف العظماء من الإطراح والمدح والتلقّب بالعناوين
وقد كان رضوان الله تعالى عليه يقول لنا بنفسه: «إذا أردتم مناداتي، فنادوني بالسيّد محمّد حسين، وقولوا السيّد محمّد حسين كذا»؛ ولا زال بعض الأحبّة ينادونه الآن بالمرحوم الحاجّ السيّد محمّد حسين؛ وهو عمل جيّد. كما أنّه أوصى فعلاً بألاّ يقوم أحد من مكانه لأجله حينما يلج إلى المجلس؛ لكن، لعلّ هذه المسألة كانت خارجة عن قدرة الأحبّة واستطاعتهم، لا أنّه ذكرها كمسألة عادية، ومن باب المزاح ولقلقة اللسان؛ فقد كان يتأثّر كثيرًا، بل وتنقلب أحواله غاية الانقلاب إذا سعى أحد ـ في مقام الإفراط ـ أن يضعه في مكانة ليست له.
لا أدري هل ذكرت لكم أم لا أنّ البعض قاموا بتقبيل أقدامه، حيث حصل له ذلك مرّتين أو ثلاث مرّات في حياته؛ فكأنّ القيامة قد قامت؛ أي أنّ أحواله كانت تنقلب، إلى درجة أنّني احتملت في إحدى المرّات أنّه سيتعرّض لنوبة قلبيّة؛ فهل هذا كان كذبًا أيضًا؟! وهل كان بدوره تصنّعًا؟! فقد كان يرى نفسه عبدًا وخاضعًا ومتواضعًا في مقابل مدرسة أهل البيت، إلى حدّ أنّه كان يشعر بعدم امتلاكه من نفسه لأيّ وجود؛ وكان يحذر كثيرًا من أن يقع رفقاؤه وأحبّته ـ لا سمح الله ولا قدّر ـ في الخلط بين الأمور عند اطّلاعهم أحيانًا على بعض المسائل، وإدراكهم لبعض الحقائق ظاهرًا أو باطنًا، ويحرص على عدم تغييرهم وتبديلهم لتلك المكانة والمرتبة التي يحتلّها.
قبل عدّة سنوات، وفي يوم من الأيّام، كنت برفقة أحد الأصدقاء، فكان يتحدّث عن أحوال المرحوم العلاّمة، وكان يُبدي إعجابه الشديد بشؤونه، ويرى نفسه حقيقةً مُغرمًا بسيرته ومكانته وتربيته وأخلاقه؛ وهذه أمور يُحكم بصوابها وصحّتها في محلّها المناسب؛ لكنّه قال بعد ذلك: «لقد تفأّلت، وجعلتُ نيّتي في هذا التفأّل أن أرى هل يوجد من هو أعلى مرتبةً منه في عالم الوجود»؛ هذا، مع أنّه لم يكن يقصد حقيقةً كلّ عالم الوجود؛ لكنّه حاول أن ينعته بمسألة فيها نوع من الغلوّ يعجز لساني الآن على التعبير عنها؛ وأعتقد أنّ الرفقاء فهموا مرادي من ذلك؛ فقال: تفأّلت بديوان حافظ، فجاء البيت الشعريّ الذي يقول فيه:
