
العبوديّة شرف الإنسان
كيف تؤثّر قوّة الخيال في الإنسان؟ وهل يُمكن للعبادة أن تُؤثّر من دون عبوديّة؟ هل يجوز إقامة الذكرى السنويّة لغير المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام؟ وما هو موقف العظماء من المدح والتلقّب بالألقاب؟ وهل يُمكن إطلاق عبارات من قبيل حسين العصر وعليّ الزمان؟ وأين يكمن شرف الإنسان وفخره؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرة «قلتُ: يا شَريفُ! فقال: قُلْ يا أباعبدالله. قلتُ: يا أباعبدالله! ما حَقيقةُ العُبوديَّة؟» من حديث عنوان البصريّ الشريف.
العبوديّة شرف الإنسان
5أنا شخصيًّا كنت في مكان ما، وكان التلفاز يعرض حادثة قتل [تمثيليّة]، وكانت هناك امرأة تتفرّج عليها؛ وفي أحد المشاهد، أطلقت صرخة، وسقطت على الأرض، وفقدت وعيها؛ ممّا يعني أنّها لم تستطع تحمّل رؤية مشهد غير حقيقيّ لحادثة قتل إنسان؛ هذا، مع أنّه مجرّد شريط سينمائيّ، وليس هناك إلاّ آلة تصوير تلتقط تلك المشاهد، كما أنّ ذلك الممثّل لم يُصبه أيّ ألم أو مكروه، ولو بمقدار ذرّة؛ فما هي علّة ذلك؟ علّته التخيّل؛ فالإنسان خاضع للخيال، حيث نرى ذلك الشخص قد أُخذ بتلك الأجواء، وأُخذ إلى أن صار جزءًا منها، وانغمر وذاب فيها؛ أي أنّه حصل على كينونة تُماثل كينونة تلك الحادثة؛ هل التفتّم؟ فالناس هم على هذه الشاكلة؛ ولهذا، تصير أفكارهم مماثلة لهذه المسائل، وتُصبح تخيّلاتهم عين الواقع، وتضحى أفعالهم متطابقة مع ما يرسمه ذلك المؤلِّف، والمخطِّط، والمنظِّر، والذي يُحرّك الخيوط من وراء الستار؛ فهو يُخطّط، وهم يُنفّذون؛ وذلك لأنّهم يعدّون هذه المسائل حقيقيّة وواقعيّة.
فقال ذلك الممثّل: «أجل، على الممثّل على أن يتّبع هذا الأسلوب»؛ فقال له رفيقه في السفر: «وهل يقدر على ذلك؟»؛ فقال له: «حسن جدًّا، سوف أريك الآن مسألة»؛ فأخرج منديلاً من جيبه، أو أخذه من الكرسيّ في جانبه، وقال له: «انظر، فهذا مجرّد منديل!»؛ ثمّ أخذ يُحرّكه، وقال: «سوف أجعله على شكل طفل رضيع»؛ وبدأ بطيّ المنديل، وجمعه، وإعطائه شكلاً معيّنًا، حتّى صار الآخر يتصوّر بأنّه طفل؛ وضَمَّهُ إليه، وبدأ يلعب مع ذلك المنديل (الطفل)، ويقوم ببعض الحركات التي يبدو منها كأنّ هذا الطفل يبكي، ويصرخ، فقال له: «اسكت! لماذا لا تهدأ؟»، وأظهر نفسه بحالة من الإجهاد والعياء، ثمّ انتابه الغضب شيئًا فشيئًا، وقال: «سوف أضربك، وأفعل لك كذا!»؛ وفجأة، إذا بذلك الشخص يقول: «لا تفعل، لا تفعل ذلك أيّها السيّد! ما هذا الذي تقوم به؟ لقد قتلت الطفل!»؛ فأجابه الممثّل: «أين هو الطفل؟ لقد كان ذاك مجرّد منديل، ولا وجود هنا لأيّ طفل!». لاحظوا، فهذا الذي يُقال له تخيّل، ومجاز، وكذب، وباطل! فالعالم يدور على محور الباطل؛ ففي الموضع الذي لا توجد فيه عبوديّة، يوجد الباطل والتخيّل والمجاز؛ والذي تمكّن من الوصول إلى درجة العبوديّة سيرى الحقّ هناك. فالإمام السجّاد عليه السلام رأى الحقيقة في عظمة الباري تعالى؛ ولهذا، فإنّه لا يعتقد بوجود أيّ أحد أصغر منه في مقابل هذه العظمة؛ فكلّما اقترب الإنسان من تلك الحقيقة، شعر بها أكثر في نفسه.
